الاثنين، 8 أغسطس 2011

الثقل الابداعي للقصيدة العربية

الثقل الابداعي للقصيدة العربية

داود سلمان الشويلي

كثيرا ما نقرأ القصيدة – أي قصيدة – وتعجبنا أي اعجاب فنسأل انفسنا ، او لنقل ذائقتنا النقدية ، او ذائقتنا الاعجابية ، ما الذي اعجبنا فيها ؟ فيأتي الجواب – ربما – سريعا: انه البيت الفلاني او الفكرة الفلانية او ما فيها – جميعا – من نظرة مأساوية او مفرحة ، او ... الخ .

ومن الاجابات السريعة : اعجبتني . افرحتني . احزنتني . او حركت في نفسي (كذا) من المشاعر . اجابات كثيرة ، الا انها عامة .

ان السطور السابقة ليست من باب وضع نظرية خاصة لما يسمى في النقد الحديث (استجابة القاريء) ولا هي اجابة لسؤال : كيف تتذوق الشعر؟ وانما هي استجابة لسؤال طرحته على ذائقتي النقدية ، هو : ماذا اعجبك بقصائد الفرزدق وجرير ونزار قباني هذه ؟ ولهذا كتبت هذه السطور ،

ان ما كتبته هنا اسميته (الثقل الابداعي للقصيدة ) أي لو وزنا القصيدة فأننا سنجدها مبنية على بيت واحد او بيتين دارت حوله فكرة –افكار- القصيدة بأجمعها ، وارى ان الذي دعانا للاعجاب بهذه القصيدة او تلك ، ودون شعور ، هو هذا البيت ، اما القصيدة فهي عبارة عن ابيات جاءت تحف بهذا البيت ، او تدور حوله ، او كانت تنوعا لصوره .

***

جرير والفرزدق:

هما شاعران معروفان ، ومهما كتبت عنهما لا افيهم حقهما ، الا انني اذكر :

جرير:

(28 - 110 هـ / 648 - 728 م)

هو: جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، أبو حزرة، من تميم.

أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفردق والأخطل. كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.(1)

***

الفَرَزدَق:

(( ...(38 - 110 هـ / 658 - 728 م).

هو :همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس.

شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة.

وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر. كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، يحمي من يستجير بقبر أبيه.

توفي في بادية البصرة، وقد قارب المئة .)).(2)

وقال الفرزدق: ((أنا عند الناس أشعرُ العرب، ولرُبَّما كان نزْعُ ضِرسٍ أيسرَ عليَّ من أن أقول بيت شعر )).(3)

لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه. ومعنى الفرزدق ((جمع فرزدقة وهو قطع العجين غير مخبوزة ويقال بل الرغيف فرزدقة ويقال إنه فتات الخبز.)).(4)

وجاء في(الحلل في اصلاح الخلل في كتاب الجمل):

((واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه بالفرزدق:

فقال في أدب الكتاب: الفرزدق: قطع العجين، واحدها فرزدقة، وهو لقب له؛ لأنه كان جهم الوجه.!

وقال في كتاب طبقات الشعراء: إنما لقب بالفرزذق لغلظه وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء، وهي الفرزدقة.

والقول الأول أصح؛ لأنه كان أصابه جدري في وجهه، ثم برئ منه، فبقى وجهه جهماً)).(5)

***

قالوا عن الفرزدق :

قال صاحب(الاغاني)

(( قال ابن سلام: وقال ابن دأب: الفرزدق أشعر عامةً وجرير أشعر خاصةً. وقال أبوعبيدة: كان أبو عمرو يشبه جريراً بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة، قال أبو عبيدة: يحتج من قدم جريراً بأنه كان أكثرهم فنون شعر، وأسهلهم ألفاظاً، وأقلهم تكلفاً، وأرقهم نسيباً، وكان ديناً عفيفاً. وقال عامر بن عبد الملك: جرير كان أشبههما وأنسبهما.

ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني: قال خالد بن كلثوم: ما رأيت أشعر من جرير والفرزدق)).(6)

وقال(( النُّميري:

يا صاحِبيّ دنا الرّواح فسِيرا غَلَبَ الفَرَزْدَقُ في الهجاءِ جريرا)).(7)

وقال المبرد : ((وقيل لبشر بن مروان: أيُّما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال: والله ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثاً، قال: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: إن جريراً سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعي يقول: قال أبو عمرو بن العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبي عمرو. ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن جريراً والله لشاعر، قال لها: أتُقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على حُلوه وشاركك في مُرّه. وسئل ابن دأب عن جرير والفرزدق فقال:

الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل: أنا أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. )).(8)

***

القصيدتان :

1- قصيدة جرير:

هي قصيدة رثاء ، يرثي زوجته (( خالدة بنت سعيد بن أوس بن معاوية بن خلف بن بجاد بن معاوية بن أوس بن كليب، وهي أم حزرة وكان جرير يسمي هذه القصيدة الجوساء - وقيل الحوساء - لذهابها في البلاد.)). (9)

لولا الحياء

جرير يرثي امرأته أمّ حَزْرة:

لولا الحياءُ لـــــهاجَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ

وَلَقَد نَظَرتُ وَما تَمَتُّعُ نَظــــرَةٍ في اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفارُ

فَجَزاكِ رَبُّكِ في عَشيرِكِ نَظــرَةً وَسَقى صَداكِ مُجَلجِلٌ مِدرارُ

وَلَّهتِ قَلبي إِذ عَلَتني كَــــبرَةٌ وَذَوُو التَمائِمِ مِن بَنيكِ صِغارُ

أرعَى النُّجومَ وقد مضتْ غَورِيَّةٌ عُصَـبُ النُّجوم كأنَّهنَّ صِوارُ

نِعمَ القَرينُ وَكُنتِ عِــلقَ مَضِنَّةٍ وارى بِنَعفِ بُلَيَّـــــةَ الأَحجارُ

عَمِرَت مُكـَرَّمَةَ المَساكِ وَفارَقَت مـــــــا مَسَّها صَلَفٌ وَلا إِقتارُ

فسقَى ثرَى جدثٍ ببُرقة ضاحكٍ هـــــزِمٌ أجشُّ وديمةٌ مـــِدرارُ

هَزِمٌ أَجَــشُّ إِذا اِستَحارَ بِبَلدَةٍ فَكَأَنَّما بِجِوائِها الأَنـــــــــــهارُ

متراكب زجِـلٌ يُضيءُ وميضُهُ كالبُلقِ تحت بطونها الأمـهارُ

كانتْ مُكارمةَ العَشير ولـم يكنْ يخشَى غوائلَ أمّ حَزْرةَ جـارُ

ولقد أراكِ كُسيتِ أجــملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقــــارُ

وَالريــــحُ طَيِّبَةٌ إِذا اِستَقبَلتِها وَالعِرضُ لا دَنِسٌ وَلا خَوّارُ

وَإِذا سَـرَيتُ رَأَيتُ نارَكِ نَوَّرَت وَجهاً أَغَرَّ يَزينُهُ الإِسفارُ

صــلَّى الملائكةُ الَّذين تُخيِّروا والمُصطفونَ عليك والأبرارُ

وعليكِ مـن صلواتِ ربّك كلَّما ضجَّ الحجيجُ ملبِّينَ وغاروا

يا نظرة لك يوم هاجـتْ عبرةً مِن أُمّ حَـرزة بالنُّميرةِ دارُ

تحيي الرَّوامـسُ ربعَها فتجدُّهُ بعد البــلَى وتُميتُهُ الأمطارُ

وَكَأَنَّ مَنزِلَةً لَـــها بِجُلاجِلٍ وَحيُ الزَبورِ تُجِدُّهُ الأَحبارُ

لا تُكثِرَنَّ إِذا جَعَلتَ تَــلومُني لا يَذهَبَنَّ بِحِلمِكَ الإِكثارُ

كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا مُتبدِّلين وبالدِّيار ديـــارُ

لا يلبثُ القُرنــــاءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يــــكرُّ عليهمُ ونهارُ

أَفَأُمَّ حَزرَةَ يا فــــَرَزدَقُ عِبتُم غَضِبَ المَليكُ عَلَيكُمُ القَهّارُ

كانَت إِذا هَــجَرَ الحَليلُ فِراشَها خُزِنَ الحَديثُ وَعَفَّتِ الأَسرارُ

لَيسَت كَأُمِّكَ إِذ يَعَضُّ بِقُــرطِها قَينٌ وَلَيسَ عَلى القُرونِ خِمارُ

سَنُثيرُ قَينَكُمُ وَلا يوفى بِــــها قَينٌ بِقارِعَةِ المِقَرِّ مُثارُ

وُجِدَ الكَتيفُ ذَخيرَةً في قـــَبرِهِ وَالكَلبَتانِ جُمِعنَ وَالميشارُ

يَبكي صَداهُ إِذا تَهَزَّمَ مِرجَـــلٌ أَو إِن تَثَلَّمَ بُرمَةٌ أَعشارُ

رَجَفَ المِقَرُّ وَصاحَ فــي شَرقِيِّهِ قَينٌ عَلَيهِ دَواخِنٌ وَشَرارُ

قَتَلَت أَباكَ بَنــــو فُقَيمٍ عَنوَةً إِذ جُرَّ لَيسَ عَلى أَبيكَ إِزارُ

حَدراءُ أَنكَـــرَتِ القُيونَ وَريحَهُم وَالحُرُّ يَمنَعُ ضَيمَهُ الإِنكارُ

لَــــمّا رَأَت صَدَأَ الحَديدِ بِجِلدِهِ فَاللَونُ أَورَقُ وَالبَنانُ قِصارُ

قالَ الفَرَزدَقُ رَقِّـــعي أَكيارَنا قالَت وَكَيفَ تُرَقَّعُ الأَكيارُ

رَقِّع مَتاعَكَ إِنَّ جَدّي خـــالِدٌ وَالقَينُ جَدُّكَ لَم تَلِدكَ نِزارُ

وَسَمِعتُها اِتَّصَلَت بِذُهلٍ إِنَّـــهُم ظَلَموا بِصِهرِهِمُ القُيونَ وَجاروا

دَعَتِ المُصَوِّرَ دَعوَةً مَسموعَةً وَمَعَ الدُعاءِ تَضَرُّعٌ وَحِذارُ

عاذَت بِرَبِّكَ أَن يَكـونَ قَرينُها قَيناً أَحَمَّ لِفَسوِهِ إِعصارُ

أَوصَـــت بِلائِمَةٍ لِزيقٍ وَاِبنِهِ إِنَّ الكَريمَ تَشينُهُ الأَصهارُ

إِنَّ الفَضيحَةَ لَــو بُليتِ بِقَينِهِم وَمَعَ الفَضيحَةَ غُربَةٌ وَضِرارُ

هَلّا الزُبَيرَ مَنَعــتَ يَومَ تَشَمَّسَت حَربٌ تَضَرَّمُ نارُها مِذكارُ

وَدَعا الزُبَيرُ فَما تَحَرَّكَتِ الحُبى لَو سُمتَهُم جُحَفَ الخَزيرِ لَثاروا

غَـــرّوا بِعَقدِهِمُ الزُبَيرَ كَأَنَّهُم أَثوارُ مَحرَثَةٍ لَهُنَّ خُوارُ

وَالصِمَّتَينِ أَجَــــرتُمُ فَغَدَرتُمُ وَاِبنُ الأَصَمِّ بِحَبلِ بَيبَةَ جارُ

أَخزاكَ رَهطُ اِبنِ الأَشَدِّ فَأَصبَحَت أَكبادُ قَومِكَ ما لَهُنَّ مَرارُ

باتَت تُكَلَّتُ ما عَلِمــــتَ وَلَم تَكُن عونٌ تُكَلَّفُهُ وَلا أَبكارُ

سَبّوا الحِمارَ فَسَوفَ أَهجو نِسوَةً لِلكيرِ وَسطَ بُيوتِهِنَّ أُوارُ

إِنَّ الفَرَزدَقَ لَن يُزاوِلَ لُؤمَــهُ حَتّى يَزولَ عَنِ الطَريقِ صِرارُ

فيمَ المِراءُ وَقَد سَبَقتُ مُـجاشِعاً سَبقاً تَقَطَّعُ دونَهُ الأَبصارُ

قَضَتِ الغَطارِفُ مِن قُرَيشٍ فَاِعتَرِف يا اِبنَ القُيونِ عَلَيكَ وَالأَنصارُ

هَل في مِئينَ وَفي مِئينَ سَبَقتُها مَدَّ الأَعِنَّةِ غايَةٌ وَحِضارُ

كَذَبَ الفَرَزدَقُ إِنَّ عودَ مُجاشِعٍ قَصِفٌ وَإِنَّ صَليبَهُم خَوّارُ

وَإِذا بَطِنتَ فَأَنتَ يا اِبنَ مُجاشِعٍ عِندَ الهَوانِ جُنادِفٌ نَثّارُ

سَعدٌ أَبَوا لَكَ أَن تَفي بِجِوارِهِم أَو أَن يَفي لَكَ بِالجِوارِ جِوارُ

قَد طالَ قَرعُكَ قَبلَ ذاكَ صَفاتَنا حَتّى صَمِمتَ وَفُلِّلَ المِنقارُ

يا اِبنَ القُيونِ وَطالَما جَرَّبتَني وَالنَزعُ حَيثُ أُمِرَّتِ الأَوتارُ

ما في مُعاوَدَتي الفَرَزدَقَ فَاِعلَموا لِمُجاشِعٍ ظَفَرٌ وَلا اِستِبشارُ

إِنَّ القَصائِدَ قَد جَدَعنَ مُجاشِعاً بِالسُمِّ يُلحَمُ نَسجُها وَيُنارُ

وَلَقوا عَواصِيَ قَد عَيِيتَ بِنَقضِها وَلَقَد نُقِضتَ فَما بِكَ اِستِمرارُ

قَد كانَ قَومُكَ يَحسَبونَكَ شاعِراً حَتّى غَرِقتَ وَضَمَّكَ التَيّارُ

نَزَعَ الفَرَزدَقُ ما يَسُرُّ مُجاشِعاً مِنهُ مُراهَنَةٌ وَلا مِشوارُ

قَصُرَت يَداكَ عَنِ السَماءِ فَلَم يَكُن في الأَرضِ لِلشَجَرِ الخَبيثِ قَرارُ

أَثنَت نَوارُ عَلى الفَرَزدَقِ خَزيَةً صَدَقَت وَما كَذَبَت عَلَيكَ نَوارُ

إِنَّ الفَرَزدَقَ لا يَزالُ مُقَنَّعاً وَإِلَيهِ بِالعَمَلِ الخَبيثِ يُشارُ

لا يَخفَيَنَّ عَلَيكَ أَنَّ مُجاشِعاً لَو يُنفَخونَ مِنَ الخُؤورِ لَطاروا

قَد يُؤسَرونَ فَما يُفَكَّ أَسيرُهُم وَيُقَتَّلونَ فَتَسلَمُ الأَوتارُ

وَيُفايِشونَكَ وَالعِظامُ ضَعيفَةٌ وَالمُخُّ مُمتَخَرُ الهُنانَةِ رارُ

نَظَروا إِلَيكَ وَقَد تَقَلَّبَ هامُهُم نَظَرَ الضِباعُ أَصابَهُنَّ دُوارُ

قُرِنَ الفَرَزدَقُ وَالبَعيثُ وَأُمُّهُ وَأَبو الفَرَزدَقِ قُبِّحَ الإِستارُ

أَضحى يُرَمِّزُ حاجِبَيهِ كَأَنَّهُ ذيخٌ لَهُ بِقَصيمَتَينِ وِجارُ

لَيسَت لِقَومي بِالكَتيفِ تِجارَةٌ لَكِنَّ قَومي بِالطِعانِ تِجارُ

يَحمي فَوارِسيَ الَّذينَ لِخَيلِهِم بِالثَغرِ قَد عَلِمَ العَدُوُّ مُغارُ

تَدمى شَكائِمُها وَخَيلُ مُجاشِعٍ لَم يَندَ مِن عَرَقٍ لَهُنَّ عِذارُ

إِنّا وَقَينُكُمُ يُرَقِّعُ كيرَهُ سِرنا لِنَغتَصِبَ المُلوكَ وَساروا

عَضَّت سَلاسِلُنا عَلى اِبنَي مُنذِرٍ حَتّى أَقَرَّ بِحُكمِنا الجَبّارُ

وَاِبنَي هُجَيمَةَ قَد تَرَكنا عَنوَةً لِاِبنَي هُجَيمَةَ في الرِماحِ خُوارُ

وَرَئيسُ مَملَكَةٍ وَطِئنَ جَبينَهُ يَغشى حَواجِبَهُ دَمٌ وَغُبارُ

نَحمي مُخاطَرَةً عَلى أَحسابِنا كَرُمَ الحُماةُ وَعَزَّتِ الأَخطارُ

وَإِذا النِساءُ خَرَجنَ غَيرَ تَبَرُّزٍ غِرنا وَعِندَ خُروجِهِنَّ نَغارُ

وَمُجاشِعٌ فَضَحوا فَوارِسَ مالِكٍ فَرَبا الخَزيرُ وَضُيِّعَ الأَدبارُ

أَغمامَ لَو شَهِدَ الوَقيطَ فَوارِسي ما قيدَ يُعتَلُ عَثجَلٌ وَضِرارُ

يا اِبنَ القُيونِ وَكَيفَ تَطلُبُ مَجدَنا وَعَلَيكَ مِن سِمَةِ القُيونِ نِجارُ

***

قصيدة الفرزدق :

جاءت هذه القصيدة ردا على سؤال طرح في وقت ما وفي زمن ما ومن شخصية معروفة عن شخصية معروفة ايضا ، الا ان السائل اراد انكاره مما شاهده من اكبار للناس لهذه الشخصية ، انها قصيدة مدح وتعريف بشخصية .

السائل : هو : هشام بن عبد الملك ابن الخليفة الاموي المعروف عبد الملك .

المكان : بيت الله ، اثناء مناسك الحج .

الزمان : عهد الدولة الاموية .

المسؤول عنه : هو الامام عليّ بن الحسين بن علي السجاد. (10)

المجيب : الشاعر الفرزدق .

تذكر كتب الاخبار:

((وقيل: إنه لما حج هشام في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أهل لشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود تنحى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟

فقال هشام: لا أعرفه! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان أبو فراس الفرزدق حاضراً فقال: أنا والله أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس، فقال ( القصيدة)

فلما سمع هشام ذلك غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين رضي الله عنه، اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله لا للعطاء والصلات. فقال زين العابدين: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نعود فيه. فقبلها الفرزدق.)).(11)

***

هذا الذي

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم

كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم

عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم

إذا رأته قريش قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يغضى حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

بكفه خيزران ريحه عبقٌ من كف أروع في عرنينه شمم

يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

الله شرفه قدماً وعظمه جرى بذاك له في لوحه القلم

أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا أوله نعم

من يشكر الله يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم

من جدُّه دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم

مشتقة من رسول الله نبعته طابت مفارزه والخيم والشيم

ينشق ثوب الدجى من نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم

من معشر حبهم دين وبغضهمو كفر وقربهم منجى ومعتصم

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل بدء ومختوم به الكلم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

يستدفع الشروالبلوى بحبهم ويسترقُّ به الإحسان والنعم (12)

***

جاء في كتب الاخبار :

(( قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو يعقوب الثقفي عن الشعبي: أن الفرزدق خرج حاجاً، فلما قضى حجه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلم.

فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت! أشعر منك الذي قال:

بنفسي من تجنبه عـــزيزٌ علي ومن زيارته لمــام

ومن أمسي وأصبح لا أراه ويطرقني إذا هجع النيام

فقال: والله لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد.

فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت! صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:

لولا الحياء لعــادني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار

كانت إذا هجر الضجيع فراشها كتم الحديث وعفت الأســرار

لا يلبث القرنــاء أن يتفرقوا ليلٌ يـــــكر عليهم ونهار

فقال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولداتٌ لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وبهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت:

كذبت! صاحبك أشعر منك حيث يقول:

إن العيون التي فــي طرفها مرضٌ قتلننا ثم لــم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا )) . (13)

ويذكر صاحب الصناعتين :

(( والمقدّم في صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته، المتمكّن من جميع أنواعه، وبهذا فضّلوا جريراً على الفرزدق. وقالوا: كان له في الشعر ضروب لا يعرفها الفرزدق.

وماتت امرأته النّوار فناح عليها بشعر جرير:

لولا الحياءُ لها جنِى استعبارُ ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يزارُ

وكان البحتريّ يفضّل الفرزدق على جرير، ويزعم أنه يتصرّف من المعاني فيما لا يتصرّف فيه جرير، ويورد منه في شعره في كلّ قصيدة خلاف ما يورده في الأخرى. قال: وجريريكرّر في هجاء الفرزدق ذكر الزبير، وجعثن، والنوار وأنه قينُ مجاشع. لا يذكر شيئاً غيرهذا.

وسئل بعضهم عن أبي نواس ومسلم، فذكر أن أبا نواس أشعر، لتصرفه في أشياء من وجوه الشعر وكثرة مذاهبه فيه، قال: ومسلم جار على وتيرة واحدة لا يتغيّر عنها.

وأبلغُ من هذه المنزلة أن يكون في قوة صائغ الكلام أن يأتي مرّة بالجزل، وأخرى بالسهل، فيلين إذا شاء، ويشتدّ إذا أراد. ومن هذا الوجه فضّلوا جريراً على الفرزدق، وأبا نواس على مسلم. )).(14)

(( وقيل لبشار: من أشعر الثلاثة؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه، وكان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق. ولقد ماتت النوار فكانوا ينوحون عليها بشعر جرير، الذي رثى به أم حرزة، وهو:

لولا الحياء لعــــادني استعبار ولزرت قبرك، والحبيب يزارُ

ولقد أراكِ كسيت أجمل منظرٍ ومع الجمال سكينةٌ ووقــارُ

لا يلبثُ القرناء إن يتفرقـوا ليلٌ يكرُّ عليهمُ ونــــهارُ)). (15)

***

اين الثقل الابداعي ؟

لو تفحصنا قصيدة جريرالتي يرثي بها زوجته التي كان يحبها ، وحسب ذائقتي النقدية ، اوذائقتي الاعجابية ، ان الثقل الابداعي في هذه القصيدة هو بيت واحد ، اما ما تبقى منها فهو ما دار حوله ، أي ان هذا البيت هو قطب الرحى .

يقول :

فلقد أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقارُ

في هذا البيت يظهر ان جوا سكونيا يلفها ، فهناك الموت واجوائه السكونية ، وهناك الجمال والوقار اللذين تلفهما السكينة، فالسكون هو عالم مسيطر على الجو العام الذي يلف القصيدة ، وهو عالم الموت الذي لف الزوجة بأجوائه .

فالشاعر / الزوج المفجوع يرى تحت الكفن جمال ، ويرى كذلك الوقار الذي كان يلفه في حياتها وهو الان اثناء الموت يلفها ايضا ، انها – حسب نظرة الشاعر / الزوج المفجوع - اجمل ما راه .

اما ما تبقى من القصيدة فهو زائد عن الحاجة ، ذلك لان القصيدة حذت حذو ما قبلها من قصائد بوجود مقدمة استهلالية، بالنسبة للابيات التي تقدمت على هذا البيت ، علما اننا لا نعرف العدد الاصلي لابيات القصيدة فالروايات لها تختلف بهذا الجانب ، اما الابيات التي جاءت بعد هذا البيت فهي تنوع للحزن الذي لف الشاعر .

واذا كانت المقدمة الطللية قد استهلت بها القصيدة الجاهلية ، فأن هذه القصيدة وغيرها عند اكثر من شاعر قد استخدمت ظواهر الطبيعة كالمطر والرعد اجواء استهلالية، ما زجتها بما تحمل احاسيس الشاعر / الزوج من مشاعر جياشة تجاه الموت ، وموت زوجته خاصة .

ارى ان ما ثبت في الديوان من قصيدة ذات 82 بيت ليس صحيحا ، وانما الصحيح من القصيدة هو ما ثبته صاحب ( الاشباه والنظائر) والتي جاءت بـ 13 بيتا ، اضافة لما اضافه صاحب (الحماسة البصرية ) من بيت يقول :

كانَتْ إذا هَجَر الضَّجِيعُ فِراشَها صِينَ الحَدِيثُ وعَفَّتِ الأَسْرارُ

والقصيدة التي ذكرها صاحب ( الاشياه والنظائر) هي :

لولا الحياءُ لهاجَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ

فسقَى ثرَى جدثٍ ببُرقة ضاحكٍ هزِمٌ أجشُّ وديمةٌ مِدرارُ

متراكمٌ زجِلٌ يُضيءُ وميضُهُ كالبُلقِ تحت بطونها الأمهارُ

صلَّى الملائكةُ الَّذين تُخيِّروا والمُصطفونَ عليك والأبرارُ

فلقد أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقارُ

فعليكِ من صلواتِ ربّك كلَّما ضجَّ الحجيجُ ملبِّينَ وغاروا

كانتْ مُكارمةَ العَشير ولم يكنْ يخشَى غوائلَ أمّ حَزْرةَ جارُ

ولَّهتِ قلبِي إذ عَلَتْني كبرةٌ وذَوو التَّمائمِ من بَنيكِ صغارُ

أرعَى النُّجومَ وقد مضتْ غَورِيَّةٌ عُصَبُ النُّجوم كأنَّهنَّ صِوارُ

يا نظرة لك يوم هاجتْ عبرةً مِن أُمّ حَزْرة بالنُّميرةِ دارُ

تُحيي الرَّوامسُ ربعَها فتجدُّهُ بعد البلَى وتُميتُهُ الأمطارُ

كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا مُتبدِّلين وبالدِّيار ديارُ

لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يكرُّ عليهمُ ونهارُ

اما ما تبقى من ابيات كثار عن الفرزدق الشاعر والزبير فلا علاقة له بأجواء القصيدة ، بل ارى انه دخيل عليها .

***

قصيدة الفرزدق:

اما لو قرأنا قصيدة الفرزدق فأن قطب الرحى فيها هو :

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم

مدار هذا البيت هو لفظة (لا) التي تعني النفي ، فالشخص الممدوح (علي بن الحسين السجاد) يتصف بهذه الصفة دون سائر الناس ، فهو لا يلفظ هذه اللفظة عندما يسأل ، واذا لفظها لسبب ما فهي لا تأخذ المعنى ذاته:– النفي ، وانما تعني الايجاب ، الا ان هذه اللفظة تأخذ معناها الاصلي في موضع واحد وهو عندما يلفظ الشهادة ، عندما يقول لا اله الا الله .

ولو عدنا للقصيدة ذاتها ، فأن كل الابيات المتبقية والتي اختلف في عدد ابياتها حسب اختلاف الروايات فأنها مدح عادي .(16)

***

أيظن

قصيدة نزار قباني

أيظن أني لعبة بيديه؟

أنا لا أفكر في الرجوع إليه

اليوم عاد كأن شيئا لم يكن

وبراءة الأطفال في عينيه

ليقول لي : إني رفيقة دربه

وبأنني الحي الوحيد لديه

حمل الزهور إليّ .. كيف أرده

وصباي مرسوم على شفتيه

ما عدت أذكر .. والحرائق في دمي

كيف التجأت أنا إلى زنديه

خبأت رأسي عنده .. وكأنني

طفل أعادوه إلى أبويه

حتى فساتيني التي أهملتها

فرحت به .. رقصت على قدميه

سامحته .. وسألت عن أخباره

وبكيت ساعات على كتفيه

وبدون أن أدري تركت له يدي

لتنام كالعصفور بين يديه ..

ونسيت حقدي كله في لحظة

من قال إني قد حقدت عليه؟

كم قلت إني غير عائدة له

ورجعت .. ما أحلى الرجوع إليه ..

هي قصة بثوب شعري كغالب قصائد قباني الغزلية ، وهي من قصائد السهل الممتنع كما يقول نقادنا العرب القدماء كباقي شعر نزار. فهو يروي لحظة لقاء فتاة لحبيب سابق كان ان تركها ثم عاد اليها ، فماذا تفعل ؟ الا انها تضعف في تلك اللحظة امام هذا الحبيب الذي جعل منها لعبة .

الا ان البيت الثالث عشر هو محور هذه القصة – القصيدة .

حتى فساتيني التي أهملتها

فرحت به .. رقصت على قدميه

فهذا البيت يصور لنا حالة الجفاء التي كانت بينهما عندما تركها الحبيب، فعندما نسأل لماذا اهملت الفساتين ؟ فأننا نعرف بداهة ان السبب هو الجفاء في علاقة الحب بينهما ، الا ان هذه الفساتين التي كانت متروكة في مكان ما بأهمال قد فرحت ورقصت عند قدمي المحبوب عندما عاد مرة اخرى .

لنتساءل : لماذا رقصت هذه الفساتين ( والبيت يوحي بأن الفتاة قد غيرت اكثر من مرة فساتينها اثناء اللقاء لفرحها باللقاء ) على قدمي الحبيب ؟

ان قاريء شعر نزار قباني يصدمه شيء فيه ، وهو امتهان المرأة ، خاصة الحبيبة ، والامثلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا ، الا ان هذا البيت يختصر هذه السلبية من قبل المرأة – الحبيبة وهذا الامتهان لها من قبل الرجل – الحبيب ، حتى وصل الحال بالفساتين ان ترقص على قدميه لا في مكان اخر اكثر احتراما او اكثر شوقا .

***

الهوامش:

1- حسب تعريف قرص الشعر.

2- حسب تعريف قرص الشعر.

3- البيان والتبيين.

4- المبهج في تفسير اسماء شعراء الحماسة – ابن جني.

5- الحلل في اصلاح الخلل في كتاب الجمل.

6- الاغاني.

7- التذكرة الفخرية.

8- الفاضل في اللغة والادب – المبرد.

9- منتهى الطلب في اشعار العرب – القصيدة طويلة في المصدر.

10- هو: (( علي بن الحسين - زين العابدين ( عليه السلام ) كنيته أبو محمد ، أمه شاهزنان بنت كسرى بن يزدجر بن شهريار ، ولد يوم الخميس الخامس من شعبان 38 ه‍ قبل استشهاد جده أمير المؤمنين بستين. )). انظر: ((الإمام الحسين عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 7)).

11- (اعلام الناس بما وقع للبرامكة )وكذلك: (الجليس الصالح الكافي) وكذلك: (الحماسة المغربية)و : (المحاسن والمساوئ)و: (المستجاد من فعلات الاجواد) و(ثمرات الاوراق في المحاضرات)و( مراة الجنان وعبرة اليقظان ).

12- ( وللقصيدة روايات اخري جمعتها في بناء واحد :

هذا سليلُ حُسين وابنِ فاطمةٍ بنتِ الرَّسولِ الَّذي انجابَتْ بهِ الظُّلَمُ

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا عليُّ رسولُ الله والدهُ أمستْ بنورِ هداهُ تهتدي الأممُ

هذا الذي عمهُ الطيارُ جعفرُ والمقتولُ حمزةُ ليثٌ حبهُ قسمُ

هذا ابنُ فاطمةَ الغراءَ ويحكمُ وابنُ الوصيّ الذي في سيفهِ النقمُ

هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلهُ هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلهمُ

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم

إذا رأته قريش قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

في كفه خيزران ريحه عبقٌ من كف أروع في عرنينه شمم

يغضى حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

ينشق نور الهدى من نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم

مشتقة من رسول الله نبعته طابت مفارزه والخيم والشيم

ينجاب نور الهدى عن نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها الظُّلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

الله شرفه قدماً وعظمه جرى بذاك له في لوحه القلم

من جدُّه دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم

وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم

كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم

لا يخلف الوعد ميمونٌ نقيبته رحب الفناء أريبٌ حين يعتزم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم

عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم

من معشر حبهم دين وبغضهمو كفر وقربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبهم ويسترقُّ به الإحسان والنعم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل بدء ومختوم به الكلم

يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم خلق كريم وأيد بالندى هضم

أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا أوله نعم

من يعرف الله يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم

13-الاغاني.

14- الصناعتين.

15- المذاكرة في القاب الشعراء.

16- انظر : (اعلام الناس بما وقع للبرامكة )و (الجليس الصالح الكافي) و (الحماسة المغربية).

المراجع والمصادر:

آ – الكتب المطبوعة :

1 - البيان والتبيين/ ط3 – الجاحظ – تح : عبد السلام محمد هارون – مؤسسة الخانجي – القاهرة – د0ت0

2 – التعليقات والنوادر – ابو علي هارون بن زكريا الهجري – تح : د 0 حمود عبد الامير الحمادي – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1987 0

3 – الرواية التاريخية / ط2 – جورج لوكاش – ت : د0 صالح جواد كاظم – دار الشؤون الثقافية العامة – العراق – 1986 0

4 – الشعر والشعراء في العصر العباسي – ط2– د 0 مصطفى الشكعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1975 0

5 – الشعر العراقي في القرن السادس الهجري – مزهر عبد السوداني – دار الرشيد للنشر – بغداد – 1980 0

6 – العراق في التاريخ – مجموعة كتاب – دار الحرية للطباعة – بغداد – 1983 0

7 – مختار الصحاح – محمد بن ابي بكر الرازي – دار الكتاب العربي – بيروت – د0ت0

8 – معجم النقد العربي القديم / ج2 – د 0 احمد مطلوب – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1989 0

9- الاغاني.

10- الصناعتين.

11- المذاكرة في القاب الشعراء.

12 - اعلام الناس بما وقع للبرامكة .

13 - الجليس الصالح الكافي.

14 - الحماسة المغربية.

15- المبهج في تفسير اسماء شعراء الحماسة – ابن جني.

16- الحلل في اصلاح الخلل في كتاب الجمل.

17- التذكرة الفخرية.

18- الفاضل في اللغة والادب – المبرد.

19 - منتهى الطلب في اشعار العرب .

20 - الإمام الحسين عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 7.

21 - المحاسن والمساوئ.

22 - المستجاد من فعلات الاجواد.

23 - ثمرات الاوراق في المحاضرات.

24 - مراة الجنان وعبرة اليقظان.

ب – الاقراص الليزرية :

1- الشعر ديوان العرب – الاصدار 0 ,2 لعام 2000 0 الاشراف العام : محمد احمد السويدي – ابو ظبي 0

2– مكتبة التاريخ والحضارة .

الجمعة، 5 أغسطس 2011

(( اختلاف أمتي رحمة)) مرة اخرى



(( اختلاف أمتي رحمة))

مرة اخرى

داود سلمان الشويلي

في دراسة سابقة لي بالعنوان نفسه ، ذكرت مجموعة من الامثلة الفقهية التي يظهر فيها الاختلاف الحاصل بين فقهاء المسلمين ، والتي تقف بالضد من دلالات هذا الحديث النبوي ، فضلا عن انها – أي الامثلة – تخالف صريح القرآن الكريم ، ومن هذه الامثلة هو زواج العمة على ابنة اخيها او اختها ، او زواج الخالة على ابنة اخيها او اختها وبالعكس ، فيما ذكر سبحانة محرمات النساء في سورة النساء ، فقال:

((*حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما * والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما)) . [23 - 24 ]

ولم يذكر تلك الزيجة على انها من المحرمات ، بل انه سبحانه في الاية/ 24 قد اكد على ان كل النساء اللاتي لم يذكرهن في الاية/ 23هن محللات شرعا عدا المحصنات .

اما تحريم هذه الزيجة فقد جاء بحديث نبوي (أن صح) ، مع العلم ان من واجبات النبي (ص) التي ذكرها الله في كتابة لم يكن التشريع من بينها ، فهو (ص) : مبلغ ، و نذير ،و مبين .

وقد ناقش العلماء ذلك – أي الوظيفة التشريعية للنبي (ص)- قديما وحديثا ،واختلفوا فيما بينهم ، وقال جلهم بان النبي (ص) له ان يشرع ، اعتمادا على احاديث نقلت بطريقة العنعنة ، دونت بعد اكثر من مئة وخمسين عاما من وفاته ، الا ان الاخبار لم تنقل لنا ما هي تلك التشريعات ، اذ كان الرسول عندما يسأل عن مسألة ما ينتظر الوحي لينزل بالاجابة ، ولم يقل شيئا من عندياته ، وهذا ما اكدته بعض ايات القرآن.

ومن يقرأ الصحاحات والمسانيد والسنن وكتب الحديث الاخرى لكافة المذاهب لا يجد فيها تشريعا قد شرعه النبي (ص) ، واذا اخذنا بالمبدا القائل بان مقام الرسول ليس هو مقام النبي (ص) بالمعنى العام والدلالة، فهناك فرقا كبيرا بينهما، او كما قال عنهما اوزون في كتابه (جناية البخاري): (1)

((ففى مقام النبوة يقوم محمد النبى بالاجتهاد والعمل حسب المعطيات والإمكانيات والأرضية المعرفية السائدة، ويصحح له من خلال ذلك المقام، لذلك نجد أن التصويب يكون دائما من مقام النبوة كما فى قوله تعالى: {يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} (التحريم-1). {يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين أن الله كان عليما حكيما}(الأحزاب-1). {ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض...} (الانفال-67). {لقد تاب الله على النبى والمهاجرين...} (التوبة-117). لذلك فإن الأحاديث الواردة عنه سميت بالأحاديث النبوية.

أما فى مقام الرسالة والتى تشمل كافة التشريعات والأوامر التى أمره بها الله-عز وجل-عبر جبريل الأمين فى القرآن الكريم، فهو معصوم فيها من الوقوع فى الخطأ، وقد عصمه الله من ذلك، وعليه فإن الطاعة فى القرآن الكريم هى للرسول، {قل أطيعوا الله والرسول}(آل عمران-32). {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول... واحذروا...}(المائدة-92). {من يطع الرسول فقد أطاع الله...}(النساء-80).

وقد جاء أمر الاقتداء بالرسول فى الصلاة والزكاة من مقام الرسالة كما رأينا فى الآية الكريمة السابقة، لذلك فإنه لا يوجد لدينا أحاديث رسولية، لأن رسالة سيدنا محمد (ص) هى القرآن الكريم، وقد وعى الصحابة ذلك فلم يكتبوا عنه عندما كان يحتضر على فراش الموت ما أراد أن يوصيهم به لأنه قد أدى رسالته ممثلة بالذكر الحكيم المحفوظ فى السطور والصدور )).

اما ما روي من سنة فعليه – كما يقول اوزون - من مثل ان النبي (ص): ((أول إنسان يأكل باليمين أو يأكل التمر أو يستخدم العود الهندى أو يحتجم أو يبكى على وفاة ابنه أو ينام على جنبه الأيمن أو يقبل النساء... أو... أو... إلى غير ذلك.)) فهي ليست تشريعا ، لان النبي (ص) قد اشترك بافعاله تلك مع الكثير من الناس ولم ينفرد بها، وان اكثر المسلمين يخالفون تلك السلوكيات والافعال ، ولم يقعوا في المعصية او الاثم .

اما بالنسبة لكيفية الصلاة وعدد ركعاتها واوقاتها، ونسبة الزكاة ،فهما ليست تشريعا نبويا ، وانما هما تشريع الهي.

جاء في المصادر عن كيفية الصلاة ، ان جبريل هو الذي علم النبي (ص) الكيفية ، وحتما – تبعا لذلك – ان تحديد نسبة الزكاة كانت من قبل الله ، نزل بها جبريل.

اذا ، النبي (ص) لا يشرع، وانما يجتهد ، ويتشاور مع المؤمنين في مسائل كثيرة ذكرتها لنا المصادر ، و يعمل (( حسب المعطيات والإمكانيات والأرضية المعرفية السائدة، ويصحح له من خلال ذلك المقام )).(2)

بعد هذه المقدمة ، وبعد ان وضّح سبحانه محللات النساء ، هل يحق للنبي ان يشرع خارج منظومة القرآن ،والوحي ؟

حاشاه ان يفعل ذلك .

((وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب * فاطر السماوات والارض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعام أزواجا يذرءكم فيه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات والارض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم * شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب * وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب * فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)). [الشورى 10- 15 ]

ولكن من اين جاء هذا الحديث ؟ وكيف اختلف المسلمون في روايته ؟

ستبحث هذه الدراسة رواية الحديث عند فرقتي الشيعة – الامامية والزيدية – فقط ، لانهما ينهلان – كما هو معروف - من معين واحد ، عن النبي ، عن علي بن ابي طالب، عن الحسن والحسين ، عن علي بن الحسين ، ثم يفترقون ويحتلفون.

الحديث عند الشيعة الامامية:

جاء في ( وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 20 - ص 486 – 496):

(( - باب عدم جواز تزويج بنت الأخ على عمتها وبنت الأخت على خالتها نسبا ورضاعا الا باذنهما فان فعل بطل ويجوز العكس بغير اذن

1 - محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن فضال ، عن ابن بكير ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : لا تزوج ابنة الاخ ولا ابنة الأخت على العمة ولا على الخالة إلا باذنهما وتزوج العمة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت بغير اذنهما .

ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم نحوه إلا أنه قال : لا تنكح ثم قال : وتنكح.

ورواه في ( العلل ) عن أبيه ، عن سعد ، عن أحمد بن محمد مثله.

2 - وعن عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبيدة الحذاء قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها إلا باذن العمة والخالة .

3 - محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن بنان بن محمد ، عن موسى بن القاسم ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه ، موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : سألته عن امرأة تزوج على عمتها وخالتها ؟ قال : لا بأس وقال : تزوج العمة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت ولا تزوج بنت الأخ والأخت على العمة والخالة إلا برضى منهما فمن فعل فنكاحه باطل .

ورواه الحميري في ( قرب الإسناد ) عن عبد الله بن الحسن ، عن علي بن جعفر مثله إلى قوله : لا بأس.

ورواه علي بن جعفر في كتابه مثله.

4 - وعنه ، عن بنان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن المغيرة عن السكوني ، عن جعفر ، عن أبيه ان عليا ( عليه السلام ) اتى برجل تزوج امرأة على خالتها فجلده وفرق بينهما أقول : حمله الشيخ على عدم الرضا وانتفاء الاذن لما مضى ويأتي وجوز حمله على التقية لان جميع من خالفنا يخالفنا في هذه المسألة .

5 - وبإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن علي بن إسماعيل ، والحسن بن علي جميعا ، عن ابن بكير ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : تزوج الخالة والعمة على بنت الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما .

6 - وبالاسناد عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : لا تزوج ابنة الأخت على خالتها إلا باذنها وتزوج الخالة على ابنة الأخت بغير اذنها .

7 - وعنه ، عن محمد بن الفضيل ، عن أبي الصباح الكناني ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها .

أقول : تقدم الوجه في مثله.

8 - وعنه ، عن الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبيدة قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على أختها من الرضاعة .

ورواه الكليني ، عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب مثله محمد بن علي بن الحسين بإسناده ، عن الحسن بن محبوب مثله.

9 - وعنه ، عن مالك بن عطية ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : لا تتزوج المرأة على خالتها وتزوج الخالة على ابنة أختها .

10 - وفي ( العلل ) : عن علي بن أحمد ، عن محمد بن أبي عبد الله ، عن محمد بن إسماعيل عن علي بن العباس ، عن عبد الرحمن بن محمد الأسدي ، عن أبي أيوب الخراز عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إنما نهي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن تزويج المرأة على عمتها وخالتها إجلالا للعمة والخالة فإذا أذنت في ذلك فلا بأس .

11 - ونقل العلامة في ( المختلف ) وغيره عن ابن أبي عقيل أنه روى عن علي بن جعفر قال : سألت أخي موسى ( عليه السلام ) عن رجل يتزوج المرأة على عمتها أو خالتها ؟ قال : لا بأس لان الله عز وجل قال : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ).

أقول : هذا محمول على الاذن لما مر.

12 - أحمد بن محمد بن عيسى في ( نوادره ) : عن صفوان بن يحيى ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : لا تنكح ابنة الأخت على خالتها وتنكح الخالة على ابنة أختها ولا تنكح ابنة الأخ على عمتها وتنكح العمة على ابنة أخيها.

13 - وعن النضر بن سويد ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : لا تنكح الجارية على عمتها ولا على خالتها إلا باذن العمة والخالة ولا بأس ان تنكح العمة والخالة على بنت أخيها وبنت أختها .)).

يتوضح من الاحاديث اعلاه ما يلي :

1 – يجوز الجمع بصورة عامة . ( الاحاديث : 1 ، 2 ، 3 ، 5 ، 6 ،10 ، 11 ، 13). بشرط اذن الكبيرة. (3)

2 – لا يجوز زواج المرأة على خالتها ولا على عمتها مطلقا. (الاحاديث : 7 ، 8، 9 ، 12 ) ، وعدم الجوار جاء بسبب نفسي واجتماعي (( إجلالا للعمة والخالة فإذا أذنت في ذلك فلا بأس .)) (الحديث : 10) . وبالمقابل يجوز العكس.

3 – اما جلد الامام علي للرجل الذي تزوج امرأة على خالتها (الحديث: 4) فقد حمله الشيعة على التقية: (لان جميع من خالفنا يخالفنا في هذه المسألة.)!!!

الحديث عند الشيعة الزيدية:

جاء في (مسند زيد بن علي - ص 306): (4)

(( حدثني زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي ( ع م ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تتزوج المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى )).

نتساءل : كيف ولماذا اختلف الاخوة الذين نقلت عنهم الاحاديث (ابو جعفر الباقر ، وزيد بن علي) في رواية حديث سمعوه عن والدهم علي بن الحسين زين العابدين؟

فالروايات المنقولة عن ابي جعفر الباقر تجّوز هذا الجمع ، فيما رواية زيد لا تجوزه ، وهما قد سمعا الحديث عن والدهما علي زين العابدين.

فهل حلل الباقر ما حرمه الله نقلا عن ابائه ؟

او ان الذي حرم ما حلله الله نقلا عن الاباء هو زيد؟

وهل ما روي عن الباقر كان صحيحا ، فيما الذي روي عن زيد غير صحيح ، او جاء بتأثير الاحاديث السنية؟ (5)

ام ان ما روي عن الباقر لم يكن صحيحا ، وكان من وضع الرواة ، وان ما روي عن زيد هو الصحيح؟

سؤال لم اجد له جوابا ، سوى في الايتين 32 ،33 ، من سورة النساء ، وهو الجواز ، وبلا شروط ، وان كان هناك شرط ما فقد يأتي من باب مراعاة الحالة النفسية والاجتماعية للعمة والخالة (درجة اعتبارية)، وليس في ذلك تشريع الهي ، أي من مقام النبوة لا من مقام الرسالة.

ترى هذه الدراسة ان حديث الجمع بين المرأة وعمتها او خالتها وبالعكس ، حديث موضوع ، للاسباب التالية:

1 – ان القرآن الكريم لم يذكره في محرمات النساء.

2 – ان النبي (ص) لم يشرع خارج المنظومة التشريعية الالهية.

3 – اختلاف رواة الحديث من حيث الحلية.

------------------

الهوامش:

1 – زكريا أوزون - جناية البخارى - إنقاذ الدين من إمام المحدثين.

2 – المصدر نفسه.

3 - لم يحرم من فقهاء ومراجع الامامية هذه الزيجة اطلاقا سوى سماحة المرجع الديني الشيخ حسين المؤيد اعتمادا على ما نقله عن الزيدية من حديث نبوي.

وفي رسالة لي ذكر سماحته : انه لا يأخذ من السنة الا بما جاء عن رسول الله ، لهذا فقد اعتمد الفقه الزيدي (!!!).

و يقول سماحته عن استنباط الحكم الشرعي : ((فانت اليوم لا تجد في المرويات ما ينقل عن امير المؤمنين علي وعن الحسن والحسين وزين العابدين عليهم السلام الا النزر اليسير فضلا عن المرويات عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، بينما حين ترجع الى مصادر الشيعه الزيدية تجد ان اهم مصادرهم هو مسند الامام زيد عليه السلام وهو يحتوي على الاحاديث التي يرويها زيد عن ابيه السجاد عن الامام الحسين عن علي عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فتستطيع ان تحظى بكم من الاحاديث عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم واهل بيته الاولين الامر الذي لا تجد نظيره في الكتب الاربعة )) . – راجع : موقعه الالكتروني ، وكتابنا : التصحيح والتجديد في الفكر العربي الاسلامي - الفكر الاجتهادي الشيعي نموذجا - الكتاب الاول - التصحيح والتجديد الاجتهادي في المذهب الشيعي عند المرجع الديني سماحة اية الله الامام الشيخ حسين المؤيد.

4 – القرص المدمج :مكتبة أهل البيت (ع) - الإصدار الأول - مسند الإمام زيد للإمام الشهيد زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام - منشورات دار مكتبة الحياة - بيروت لبنان.

و جامع مسند الإمام زيد المسمى ( المجموع الفقهي )هو عبد العزيز بن إسحاق البقال ، ، كان في حدود الستين وثلاثمائة ، عاش تسعين عاما ، توفي لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة 363 . و عبد العزيز روى عن أبي القاسم علي بن محمد النخعي روى عنه أبو الحسن الدارقطني ، وقد نسبه الدارقطني في ترجمته إلى آدم عليه السلام .

5- راجع : (صحيح البخاري - البخاري - ج 6 - ص 128 – 133) و (صحيح مسلم - مسلم النيسابوري - ج 4 - ص 135 – 140 ).

‏الجمعة‏، 29‏ تموز‏، 2011

الافطار بسبب العطش بين الحيلة والرخصة الشرعية



الافطار بسبب العطش بين الحيلة والرخصة الشرعية

داود سلمان الشويلي

يقول الله في محكم كتابه الكريم :

(( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون *شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)). [البقرة: 183 - 185 ]

تمر على العراق والكثير من بلدان العالم الاسلامي ، موجة حر شديد ، وقد حل الشهر الفضيل ، شهر رمضان ، شهر الصيام ، وابناء العراق يعيشون ازمة الكهرباء في لهيب هذا الصيف القاتل. وليس من هدف هذه الدراسة القصيرة بيان فقه الصوم ، وانما هدفها بيان الرخصة القرآنية للافطار في هذا الشهر الفضيل .

فالصوم، كما هو معروف: (( الامساك عن أي فعل ، أو قول كان .

و شرعا : هو الامساك عن الأكل ، والشرب ،والجماع ، من الصبح إلى المغرب ، مع النية )). (1)

وقد ذكرت الايات الكريمة اعلاه الامور التي يرخص فيها الافطار ، وهي:

- المرض.

- السفر.

- امور اخرى لمن يطيقه.

واذا كان الافطار بسبب المرض اوالسفر معروفين لكل المؤمنين ، الا ان الامور الاخرى لمن يطيق صيامه قد غابت عن الكثير من عامة المؤمنين لاسباب كثيرة ، اهمها عدم قيام الفقهاء ببيانها وتوضيحها جيدا.

واكثر عارض يلاقيه الصائم هو ارتفاع درجة حرارة الجو التي لا تطاق - و التي نعيشها الان - إذ من الناحية الطبية يساعد ارتفاع درجة حرارة الجو على زيادة التعرق ، والتعرق يقلل من كمبة السوائل في جسم الانسان ، و الدم خاصة ، فيصبح الدم كثيفا ،و لم يكن القلب قادرا على ضخه وتوصيله الى سائر اعضاء الجسم و الدماغ خاصة، فيصاب الا نسان بالاعياء ومن ثم الاغماء ، وربما الموت، فراح المؤمنون يبحثون عند الفقهاء عن الرخصة الشرعية للخروج من هكذا اشكال.

ولما كانت الكثير من الفضائيات تبث برامج خاصة بالاستفتاء ، ظهر احد المعممين على احدى الفضائيات تلك وقد اجاب من سأله عن الرخصة الشرعية بحيلة لم ينزل بها الله من سلطان ، حتى باتت هذه الحيلة ترددها بعض الالسن لا على انها حيلة وانما على انها رخصة شرعية.

كانت اجابة هذا المعمم : ان من يريد التخلص من الصيام في حرارة هذا الجو ، عليه ان يسافر بمقدار المسافة الشرعية للافطار (ثمانية فراسخ)، وعليه ان يقسم هذه المسافة الى قسمين ، الاول للذهاب والاخر للاياب في ذلك اليوم ، ونسي هذا المعمم ان الله سبحانه قد قال في سورة ال عمران / 54 : ((ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)). وكذلك نسي ان السورة نفسها قد بينت الرخصة الصحيحة.(2)

قال سبحانه: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين )) ومعنى هذه الاية كما ذكرها الكثير من الفقهاء والمفسرين هو:

جاء في (رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 3 - ص 55 ):

(( ... ومن بلغ من الهرم إلى حد يتعذر معه الصوم فلا صيام عليه ولا كفارة ، وإذا أطاقه لكن بمشقة شديدة يخشى المرض منها والضرر العظيم كان له أن يفطر ويكفر عن كل يوم بمد من طعام .

وكذلك الشباب إذا كابد العطاش الذي لا يرجى شفاؤه ، فإن كان العطش عارضا " يتوقع زواله أفطر ولا كفارة تلزمه ، وإذا برئ وجب عليه القضاء .

والحامل والمرضع إذا خافتا ولديهما من الصوم الضرر أفطرتا وتصدقتا عن كل يوم بمد من طعام)) .

وجاء في ( الكافي - الشيخ الكليني - ج 4 - ص 116):

(( عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في قول الله عز وجل : " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين " قال : الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش ، وعن قوله عز وجل : " فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا " قال : من مرض أو عطاش )).

و في (منهاج الصالحين - السيد السيستاني - ج 1 - ص 334):

(( وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص : منهم الشيخ والشيخة وذو العطاش إذا تعذر عليهم الصوم ، وكذلك إذا كان حرجا ومشقة ولكن يجب عليهم حينئذ الفدية عن كل يوم بمد من الطعام ، والأفضل كونها من الحنطة ، بل كونها مدين ، بل هو أحوط استحبابا ، والظاهر عدم وجوب القضاء على الشيخ والشيخة إذا تمكنا من القضاء ، والأحوط الأولى لذي العطاش القضاء مع التمكن ومنهم الحامل المقرب التي يضر بها الصوم أو يضر حملها ، والمرضعة القليلة اللبن إذا أضر بها الصوم أو أضر بالولد ، وعليهما القضاء بعد ذلك ، كما أن عليهما الفدية أيضا ، ولا يجزئ الاشباع عن المد في الفدية من غير فرق بين مواردها )).

وجاء في (صحيح البخاري - البخاري - ج 2 - ص 238):

(( وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو ابن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها وأن تصوموا خير لكم فأمروا بالصوم )) . (3)

وفي (مسند احمد - الإمام احمد بن حنبل - ج 5 - ص 246 ):

(( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين قال فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه قال ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه قال فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الاطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام )).

اذن ،قد بين سبحانه لنا الرخصة الشرعية للافطار لغير المريض والمسافر ، ولا داع للحيلة الشرعية ، اذ قال : ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين )) وقد بين الرسول ومن بعده الفقهاء في كتبهم من هم الذين يطيقونه الا انهم لا يصومون ، وهم :

- كبير السن .

- ذو العطاش الذي لا يرجى شفاؤه ، و ذو العطش العارض.

- الذي يجد في صيامه مشقة.

- الحامل والمرضعة.

فذو العطاش العارض – كما في ايامنا هذه – وكذلك ،الذي يرى في صيامه مشقة، عليهما الافطار ومن ثم القضاء او الكفارة حسب ما حددته الروايات اعلاه.

فماذا نقول لهذا المعمم الذي يعلّم المؤمنين الحيلة؟ لا نقول له الا ما قاله الله سبحانه: ((ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين )).

‏الاحد‏، 31‏ تموز‏، 2011

الهوامش:

1 - القاموس الفقهي - الدكتور سعدي أبو حبيب - ص 218.

2 – ونسي – كذلك - هذا المعمم ان المشقة التي ستحصل لهذا السائل عند سفره اكثر مما لو بقي في داره وصام يومه ، لان في السفر مشقة ما بعدها مشقة ، خاصة في ايام ارتفاع درجة حرارة الجو في بلدان المسلمين.

ونسي - كذلك - النية والقصد من السفر ، هل على المؤمن ان يضع في قصده انه يسافر لاجل الافطار ؟ واي سفر هذا؟ انه كذب على الله ، والله سبحانه يقول : ((فإنه يعلم السر وأخفى )). [طه : 7 ]

3 - في حديث اخر ينقله البخاري ، جاء فيه: ((... عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين قال ابن عباس ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان ان يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينا فمن شهد منكم الشهر فليصمه)). (صحيح البخاري - البخاري - ج 5 - ص 155 .).