الاثنين، 27 يونيو 2016

صوري









(الرسم بالفوتوشوب - -الخطاب الفوتوشو/ تشكيلي للفنان الفوتغرافي " كاظم الخفاجي " انموذجا) .




نشرت صفحة ( اشكال والوان ) في صحيفة ( الحقيقة ) دراستي عن الفنان كاظم الخفاجي المعنونة
(الرسم بالفوتوشوب - -الخطاب الفوتوشو/ تشكيلي للفنان الفوتغرافي " كاظم الخفاجي " انموذجا) ... شكرا للزميل الشاعر عدنان الفضلي :
الرسم بالفوتوشوب
-الخطاب الفوتوشو/ تشكيلي للفنان الفوتغرافي " كاظم الخفاجي " انموذجا
قراءة : داود سلمان الشويلي
الصورة ( اللوحة التشكيلية من ضمنها ) باعتبارها علامة دالة من الوجهة السيميولوجية تعتمد على منظومة من العلاقات في داخلها ، وهي علاقات تربط كل من : اللون ، والابعاد وهي مادة التعبير ، و الاشياء والشخوص وهما مادة اشكال التعبير ، وايضا مضمون هذا التعبير حيث يشمل المحتوى الثقافي وابنية الصورة الدلالية ، برابط جمالي قوي .
ومع ثورة الاتصالات ، ووجود الانترنيت ، وتعدد وتنوع برامجه التي هي ثمرة من ثمار العولمة التي طبعت ملامح عصرنا الحاضر، تطور وتقدم الفن التشكيلي نحو الافضل ، والاحسن ، والاسرع ،فكان هناك برنامج الفوتوشوب المتنوع المهام والمتعدد الوظائف ، والغني عن التعريف ، الذي اخذ بعض الفنانين في فن التصوير الفوتغرافي خاصة، او في الفن التشكيلي ، يستخدمونه في رسم لوحات فوتغرافية ، او تشكيلية غاية في الجمال والتنوع في استخدام الالوان والخطوط ، لتجسيد افكارهم التي تزاحمت في مخيلتهم الابداعية.
وانا كمتلقي جمالي لخطاب فني تشكيلي ساكرس اسس القراءة التأملية من خلال تضافر الملتقي واللوحة ،لا من خلال القراءة المستبدة والطاغية ، المتلقي بفعل حركيته التي لا تهدأ ، واللوحة وما تقدمه من معنى بفعل تلك الحركية التي عند المتلقي ، عند ذاك ، أي عند ذاك التضافر الجمعي لحركية المتلقي واللوحة لما تعطيه من دلالات ومعاني يمكن ان تكون القراءة تأملية – جمالية – معرفية.
الفنان كاظم الخفاجي واحد من الفنانين الفوتغرافيين في مدينة الناصرية الذي قدم انجازات تشكيلية بواسطة هذا البرنامج ، فكان خطابه التشكيلي الذي اعتمد الكتل اللونية ، والخطوط ، قد جسده في عدة لوحات فوتوشوبيه / تشكيلية .
عندما نقرأ خطاب الفنان كاظم الخفاجي الفوتوشوبي / التشكيلي علينا ان نؤكد على مسألتين مهمتين في ذلك الخطاب وهما : 
- مسالة الفكرة التي يحاول الفنان الخفاجي تجسيدها على الورق الافتراضي ، او الورق الصناعي المادي ،ويعطيها ابعادها التشكيلية من خلال عناصر اللوحة التشكيلية ، كاللون ، والخطوط ، وتوزيع الكتل.
- مسالة تجسيد هذه الفكرة في لوحة تشكيلية فوتوشوبية بالالوان والخطوط ، لان اللوحة التشكيلية ما هي الا تمثيل للواقع المتحرك امامنا ، ولكنها في حقيقتها هي خلق جمالي جديد لهذا الواقع المتحرك .
الفكرة التي يريد ان يجسدها الفنان في لوحاته الفوتوشوبية تبدو على ملامحها الغموض الفني من خلال التخطيط والالوان ، فتبدو فيها الحركة والشكل وما ينتج منهما من موسيقى انفعالية واعية عند المتلقي ،تبدو غامضة ، ليس الغموض المجاني ، وانما الغموض الابداعي الذي يدفع المتلقي لهذا الخطاب التشكيلي الفوتوشوبي الى ان يعمل فكره ليصل الى الحد الذي يحاور بصمت تلك اللوحات وما تنتجه من دلالات ومعاني .
والالوان هي الاخر تنتظمها حالة من الهارمونية المادية / الروحية التي تتجسد في اللوحة بتظافر الخطوط باشكال وهيئات مختلفة ومتعددة ، تأخذ مداها عند المتلقي من خلال ما تمثله في الموروث الشخصي من معان ودلالات .
اما الخطوط ، فان قدرتها ،ومعاييرها ، ومساراتها تتوضح جليا عبر ترابط العلاقات التشكيلية التي يمنحها برنامج الفوتوشوب للفنان من خلال دمجه للالوان ، وتحديد كتلها بمساحات مدروسة سلفا، وتوزيعا على اللوحة الفوتوشوبية ليصار فيما بعد نقلها ( طبعها ) على لوحة خارجية ، وحسب اختيار الفنان ذاته لابعادها التشكيلية.
ان الغموض التخطيطي في بنية اللوحة المنجزة عن طريق الفوتوشوب قد جاء من خلال الربط بين الحركة والشكل وما يسببه ذلك الربط من موسيقى انفعالية واعية من حيث التراكيب و التصوير، فالميزة البارزة في قدرات الخط ، ومساراته، هي بمثابة ترابط بين العلاقات الفنية التشكيلية ،ومضادها التقني الفوتوشوبي الموحي بتنويعات موضوعية متجددة ذاتيا، ليثيرعند المتلقي الدهشة، ويمنحه القدرة على خلق حوارات فنية مع ذلك الخطاب المنجز بتجليات مجموع لوحاته.
والمتأمل لمجمل اللوحات التي انجزها الخفاجي يجد أنها قد تميزت بنسق فني مدهش وجميل ، ومتحرر من محددات أسلوبية تعود إلى هذه المدرسة الفنية او تلك ، ويتجلى ذلك في الخطوط المستخدمة في اللوحة ، وتوزيع الكتل الشكلية واللونية ، وإختيار زوايا التعبير التي تخدم المنجز التشكيلي .
ان إستخدام اللون الذي يعد من أبرز عناصر اللوحة، قد افاد اللوحة ايما افادة لانه هو العنصر الفاعل فيها ، لما في برنامج الفتوشوب من ميزة التلاعب التقني بالالوان .
تبقى مسألة تشويه الوجوه الانسانية في لوحات الفنان ، اذ جاءت كل لوحاته التي رسم فيها بشرا وقد شوه وجهه ،وهيئته ، وذلك ليعطي بعد اللوحة التغريبي ، والغموض الفني الغني بالدلالات والمعاني ، و الهازل ايضا لما ينقله من واقع مرير مدمى يعيش فيه وينهل منه كل افكاره.
ولكي يكون الكلام الذي قلناه موثقا ، علينا ان ندخل عالم الفنان الخفاجي ونزيح عن خباياه كل شيء لنقرأ بعض لوحاته الفوتوشو/ تشكيلية للاقتراب من هذا العالم الفني.
***
امامنا منجز الفنان كاظم الخفاجي الذي يتكون من عدة لوحات منجزة من خلال برنامج الفوتوشوب والذي يشكل في النهاية خطابه التشكيلي الفوتوشوبي .
فعن العلاقة بين المراة والرجل انجز الفنان لوحة تشكيلية فوتوشوبيه تحت عنوان ( تفاحة ادم – غواية ) التي جسد فيها الشيطان وهو في موضع اعلى من التفاحة التي هي سلاحه في غواية الانسان ، فيكون عند ذلك الشيطان هو المهيمن في غوايته ،والتفاحة التي يظهر نصفها وقد قضم جزء منه دلالة على السقوط في الغواية .
ان شكل الشيطان وشكل التفاحة يدلان دلالة تامة على العلاقة بينهما ، ذلك لان الشيطان حسب اسطورة ادم وحواء في كل تجلياتها السومرية والبابلية والتوراتية والتلمودية والقرانية ، يرتبط ارتباطا وثيقا باداة الغواية وهي التفاحة.
جاءت اللوحة لتختزل تلك الاسطورة ، ولتقدمها بالخطوط والالوان ، فكانت ان اجادت اجادة تامة .
***
في اللوحة التي تحمل عنوان ( حلم ) راحت الكتل اللونية المستخدمة فيها تجسد صورة مقربة لحلم ما يتراءى للكثير منا.
توزعت كتل اللوحة الى ثلاثة فضاءات رئيسية في اللوحة ، حيث توزع في اعلى اللوحة اللونين الازرق وتدرجاته ، و الابيض كذلك في هذا الفضاء من اللوحة بتشكيلات لونية دون استعمال الخط المحدد للون ، فيما اخذ اللون الاسود منتصف فضاء اللوحة بشكل تعرجي محاولا اقتسام فضاء اللوحة الى قسمين ، اعلى واسفل ، وقد صنع اللونين الازرق وتدرجاته والابيض وتدرجاته خيال انعكاسي لما في الفضاء العلوي دون ان يكون التطابق حاصلا مئة في المئة .
هذه اللوحة تعكس لنا بالوانها الزرقاء والبيضاء والاسود صورة حلمية جميلة ، والغموض الذي يكتنفها هو الغموض الذي يرافق كل احلامنا الجميلة او الكابوسية. 
***
الجوانب السياسية في العالم واتخاذ موقف فكري / فني تجاهها ، تنعكس فنيا في خطاب الفنان الخفاجي ، من خلال انجازه للوحات فوتوشوبية / تشكيلية عديدة ، ومتنوعة.
اول ما يصادفنا في المنجز الفوتوشو/ تشكيلي للفنان الخفاجي هي لوحته الذي جسد فيها رؤيته لمجلس النواب ، اذ انه اخذ صورة فوتغرافية لاعضائه وهم جلوس وراح يعمل بها حسب موقف العراقيين الفكري والسياسي منهم ،فشوه جميع وجوه الجالسين ، واطلق لمخيلته الفنان العنان في الفضاء العلوي للوحة وراح يرسم كتل لونية كالعاصفة بتدرجات اللون البني ، حتى يصل الى اللون الاصفر ،وهذا يعني فيما يعنيه من صراعات داخل المجلس لا تعني الشعب الذي هو خارجه .
***
في لوحة " الارهاب" جسد الفنان هذا الوحش الكبير والضخم بصور عدة ، هلامية ، غير موضحة المعالم ، انها وحوش خرافية ترمز الى ما يمثله الارهاب في حياتنا اليومية ، فهو آت جديد وغريب، ليس من ثقافتنا ،ولا من تكويننا الوجودي الازلي ،انه نبت شيطاني، لايمت لنا بصلة .
***
في لوحة ( العراق قوة ) يستخدم الفنان ثلاثة الوان رئيسية ، فاللون الابيض يملأ الفضاء العلوي ، واللون الاسود يملأ الفضاء السفلي ، وهناك شبه عمود غير مستقيم ( بلون بني ) يشق اللونين من المنتصف ، وهذا العمود يمثل العراق بجذوره النابتة في الارض بقوة ( اللون الاسود ) وتصعد للاعلى منفتحة لكل الجوانب دلالة للعطاء والخير .
ان اللوحة هذه تتناص مع اية في القران تذكر : (* ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون) . [ابراهيم :24 - 25 ]
***
ولوحة ( عيني على العراق ) تنقسم الى سماء وارض ومياه ، حيث السماء الزرقاء ، والارض التي تقدم نفسها خضراء وصفراء ، ومياه تعكس هذين المكونين الكونيين ( السماء والارض ).
في الفضاء الازرق الذي ياخذ النصف الاكبر من اللوحة يصطبغ بلون اخضر وتدرجاته الداكنة ، وياخذ شكل عين مفتوحة غير كاملة التفاصيل من الاعلى ، يستخدمها الفنان ليدل على ان العراق غير معافى ، مما ينعكس ذلك في العين .
هذه الكتلة اللونية الخضراء بتدرجاتها رسمها الفنان كعاصفة هوجات تملأ الفضاء العلوي الازرق بتعرجاتها والتواءاتها ، لتشير الى ان العراق ما زال غير مستقر.
***
في لوحة ( ندوب ) يستخدم الفنان اللون البني وتدرجاته ، حيث قسم اللوحة طوليا الى قسمين ، وضع في القسم الاول اللون البني الفاتح مبتديا من الاسفل حيث اشراقات بيضاء ممزوجة بالبني الفاتح حتى تصل الى ذروتها في الاعلى باللون البني الغامق ، وفي النصف الثاني للوحة استخدم الفنان اللون البني الداكن مع قليل من اللون الرمادي .
ان تلاعب الفنان باللون البني الذي يشير الى لون الندوب في الجسد ، اعطى اللوحة بعدا انسانيا ثريا ، دل دلالة كاملة على ان البشرية تحمل ندوبها معها ان كانت هذه الندوب نفسية ( وقد مثل الفنان لها باللون الرمادي ) او كانت جسدية حسية ، الا انها قابلة للزوال ( اللون الابيض ) .
***
يتمتع الفنان " كاظم الخفاجي" بتركيز مدهش في مساحات واسعة تتسع لضيق الكتل اللونية التي يتركها محلقة في فراغ انعكاسي ، الذي يفتح فضاءاته المرنه لتخيلات ينتج عنها رؤى مثمرة ، توحي بمشاعر انسانية متناقضة فيما بينها.
الا ان الاشكال المزروعة في اللوحة ، وكذلك الكتل اللونية المتماسكة مع الخطوط وبقية العناصرالاخرى، من مفردات بصرية وموتيفات فنية هي جزء من حرية الفنان داخل اللوحة ، مما يعطي مجالا للمتلقي في استقبال افكار الفنان بكل حرية ، فتكون التأويلات والتفسيرات هي الاخرى متحررة من سلطة الفنان.
ان هذه القراءة القصيرة لبعض منجز الفنان كاظم الخفاجي الفوتوشوبي التشكيلي ، هي قراءة لا اعممها على الجميع ، بل هي خاصة بي انا المتلقي / الكاتب ، انها احتفاء بهذا الفنان ، وفي الوقت نفسه تعريف بهذا الفن الذي هو وليد التطور العلمي و التقني بالاتصالات الحديثة .

( رحلة في الذاكرة ) - ( القراءة) :




نشر موفع ( النور ) مقالتي ( رحلة في الذاكرة ) - ( القراءة) :
http://www.alnoor.se/article.asp?id=254640
رحلة في الذاكرة
" القراءة"
داود سلمان الشويلي
((يــــــروى أن المأمـــون العباسي قال لعمه عبدالله بن الحسن وقد تقدمتْ به السن : ما بقيَ من لذائـــــذك يا أبا علي ؟ فأجـــــــــــــــابه : إثنان ، الأولى اللعـــب مع الحفـــــدة والأسباط ، والثانية الحديث مع الصم البكم العمي !! فقال المأمون : عرفنا الأولى فماذا عن الثانية ؟ فأجــــــــــــابه : قــــــراءة الكتب فهي لا تـزعجـــــــــــك بصوت ، ولا تتـــجسس عليك بسمع ، ولا تتطلع عليك ببصـــــــــــر !!)).
- من منقولاتي -
))ليس من سفينةٍ مثل الكتاب تأخذنا إلى أراضٍ بعيدة))
- إيميلي ديكنسون -
(( بعد قراءات عديدة في الكتب والصحف والمجلات عرفت ان اي شيء مكتوب ، ومنه النص ، والنص الادبي ، لا يمكن ان يكون له اي معنى الا بعد القراءة ، وفي هذه الحالة تكون القراءة شرطا اساسيا في الوصول الى المعنى.)).
- الشويلي -
تروي كتب التاريخ ان :((الصاحب بن عباد (326 -385 هـ) كان اذا انتقل من مكان الى مكان ينقل معه كتبه التي تحمل على ثلاثين بعيرا ليقرأها اثناء سفره .)).
هذا معناه انه كان " نهما " جدا في القراءة والاطلاع ، ولا يصبر على ترك كتبه.
فيما يقول الروائي كالفينو: ((القراءة تعني الاقتراب من شيء هو قيد الصيرورة)).
اما عن المكتبة فيقول فارلام شالموف : ((الكتب هي أفضل ما نملك في الحياة، إنها خلودنا.أشعر بندم عميق لأني لا أملك مكتبة خاصة بي.)).
ويقول الروائي البرتو مورافيا :
(( الكتاب الذي يقرأ بشكل صحيح ، يجب ان يكون مكتوبا قبل اي شيء بشكل صحيح )).
وهذا معناه ان هناك قوانين واشتراطات تحكم الكتابة الصحيحة لكي تقرأ بصورة صحيحة ، فهل كل كتاب صحيح في كتابته ، ويحمل قوانين واشتراطات الصحة؟
القراءة هي عملية تواصلية بين القارئ والنص, وتفاعل ايضا.
القارئ في هذا التفاعل يشارك بمجموعة من العمليات الذهنية ، فيما يقدم النص مجموعة أدلة وإشارات تمكن هذا القارئ من فهم النص الذي يقراه ومن ثم يأوله للوصول إلى المعنى النهائي للنص .
الكتاب الورقي ، و الكتاب الافتراضي المحفوظ في الحاسوب ، يقرأ مرة واحدة في العادة ، وفي بعض الاحيان يقرأ مرتين في حالة بقاء الحاجة الى ذلك قائمة ، كأن يكون كتابا مهما ، او لا يعطي نفسه للفهم المباشر بالقراءة الاولى ، او( مكتوب بصورة صحيحة ) كما يقول مورافيا، او لاي سبب اخر .
كثيرا ما نعيد قراءة كتاب ما مرة ثانية، ان كانت هاتين القراءتين في وقت واحد ، اي بعد ان ننهي قراءته الاولى نعود لنقرأه ثانية ، وربما ثالثة ، او في اوقات مختلفة تصل الى ان تكون عقودا من الزمن.
والكتب التي وجدت نفسي اعيد قراءتها لاسباب متنوعة وعديدة ، كثيرة ومتنوعة،فكانت القراءة الثانية ،او الثالثة لكتاب ما ، تبقى في حالة تنازع بينها وبين القراءة الاولى او الثانية ،لتصل الى المعنى الخاص له ( قصد المؤلف )، حيث عند قراءتها للمرة الثانية او الثالثة ، يبدأ المعنى الخاص ( قصد المؤلف ) يتنازع والمعنى العام له، ومن ثم يستأثر بدلالاته المكنونة التي توصل اليها ، وهذا ليس معناه ان اي كتاب يحتاج الى مثل هذه القراءات العديدة ، فقد يكون كتاب ما يعطي دلالاته من القراءة الاولى ، ومنها كتب لا تسلمك دلالاتها الا بعد القراءة الثانية او الثالثة ،ويبقى الكتاب على الرغم من كل القراءات من شخص واحد له دلالات اخرى مخفية لا تفض نفسها الا عندما يقرأه شخصا اخر ، والسبب هو الذائقة الشخصية للمتلقي / القارئ ، لان كل قاريء يخزن مجموعة من المحددات والاشتراطات في ذائقته القرائية ، وهذه المحددات والاشتراطات تعمل عملها عند القراءة الاولى والثانية اوالثالثة اوغيرها من القراءات ، فتترك ما ترى انه قابل للترك ، وتقبل ما ترى انه قابل للقبول ، وتصحح ما تراه قابلا للتصحيح ، وفي ذلك كانت هذه الذائقة القرائية قد اشتغلت بصورة صحيحة ودقيقة على ما قرأته.
لقد تحولت عندي القراءة الى ان تكون قراءة انتقائية، ومن ثم اصبحت عندي تحليلية ، و بعد فترة من قراءاتي الموجهة ( اختيار الكتب التي اقرأها ) وجدتني اضع مجموعة من الاشتراطات على ذائقتي القرائية ، منها :
- لا اخشى مما اقرأه ، وفي الوقت نفسه احترم هذا الذي اقرأه ، لانه مهما يحمل من افكار ، فهو قابل للحوار والنقاش ، لهذا علينا ان نحترمه.
- القراءة فهم وادراك واعيان ، وحوار متواصل، ومناقشة ما اقراه ، فكل الذي اقرأه هو جهد لانسان مثلي يمكن محاورته ومناقشته.
- عند القراءة ، اذا كنت اصدق كل ما اقراه وكأنه وحي منزل ، عليّ التوقف فورا عن القراءة تلك ، لكي لا اكون حشويا ، اداة استلام فقط ،لان ما اقرأه هو صحيح قابل لان يكون خطأ ، وخط قابل لان يكون صحيحا.
- الذي اقراه لا يعني انه سيمنحني دلالاته الاولية، والمعنى المختبئ خلفها من اول قراءة ، لان ما اقرأه هو نتاج عقل غير معروف ، مجهول ، والمعنى الذي ابحث عنه سيتكشف حين الانتهاء الكلي من قراءتي ، وحسب قوانين واشتراطات فكري ووعيي وادراكي ، لان هناك بين الفكرة التي يعبر عنها اي كاتب ،و الكلمات والجمل التي يصوغها فيها مسافة تطول او تقصر ،وعلى القاريء ان يقطع تلك المساحة بوعي تام متسلح بذاكرة قوية وخيال خصب وذهن متمرس.
- حتى التفكيكية التي راحت تفكك النص، ظلت عاجزة امام قوانين واشتراطات الفكر،والوعي، والادراك،الخاصين بكل قارئ ، اذ ليس هناك قراءة بريئة.
- القراءة هي التي تمنح شرعية لما نقرأ ، وليس الموضوع، او الكاتب .
وهي فوق كل ذلك تنتج اللذة عندما تصل الى قصد المؤلف بحسب رأي القاريء.
ان الانسان بطبغه متسائل ، يطرح الاسئلة دائما ، وتواق لاكتشاف المجهول ، والقراءة تعطيك المعرفة بالاشياء لانها الوسيلة المهمة لاكتسابها ، وكلما اتسعت تلك المعرفة ازدادت عندك مساحة المجهول ، وبهذا تبقى تقرأ ،وتقرأ، وتقرأ لتلتق بذلك المجهول.
احتفظ البومي للصور على صور عديدة تروي حالة القراءة التي اقوم بها: هناك صورة لي وانا اقرأ الشعر في السبعينيات ، واخرى وانا اقرأ كلمة في الحفل التابيني للمرحوم الشاعر رشيد مجيد ،وبين الاولى والثانية زمن يمتد على اكثر من خمس وعشرين عاما .
و هناك صورة لي اقف قرب مكتبتي الخاصة التي تضم الكتب التي قرأتها.

قراءة في قصائد عربية




نشرت صحيفة ( العراق اليوم ) على صفحتها الثقافية ( بصمة مثقف ) الجزء الاول من دراستي ( قراءة في قصائد عربية قديمة - الاعشى وتعالق الحب - الحلقة الاولى ) ... شكرا لمحرر الصفحة الشاعر تحسين عباس :
قراءات في قصائد عربية قديمة
الحلقة الاولى
داود سلمان الشويلي
(( ابيت ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم ))
هذا ما قاله الشاعر العربي العظيم ( المتنبي ) عن شعره ... ويمكن ان يقال عن الكثير من قصائد الشعراء العرب .
ان سهر ( الخلق ) واختصامهم في شعر المتنبي ، يمكن ان يتعداه الى شعر غيره ، لا للاختصام فيه ، او لنقده ، او معرفة محموده من مذمومه ، وانما لما تطرحه بعض القصائد من ( ظلال ) تجعل هذا (الخلق ) في ذلك الزمان ، وفي أي زمان يحتكم الى نفسه اوالى غيره لـ ( جلاء ) تلك (الظلال ) ، و( الظلال ) هذه يمكن ان نطلق عليها مصطلح ( ميتا القصيدة ) او ما بعد القصيدة .
في هذه السطور سنتناول بعض ما قاله ( بعض )الشعراء في قصائد تترك عندالمتلقي ( ظلالا ) تجعله ( يسهر جراها ) ولا اقول ( يختصم ) معها او مع الاخرين ، بل هو يختصم مع نفسه وهو يسلط الاضواء ليجلو ما في القصيدة من امور خفية .
*** ***
1- الاعشى وتعالق الحب:
كيف يكون حب المحبين ، هل هو حب ( توازي ) ام حب ( توالي ) ؟ وعذرا من علم الكهرباء ... هل هو بالاصالة ، ام هو حب بالانابة ؟ وعذرا من رجال القانون ... هل هو حب من طرف واحد ام هو حب الطرف الى الطرف الاخر انجذابا كانجذاب قطبي المغناطيس ؟ وعذرا من علم المغناطيسية .
اسئلة كثيرة تقف امام قاريء معلقة ( الاعشى ميمون ) التي يبدأها بقوله :
ودع هريرة ان الركب مرتحل وهل تطيق وداعا ايها الرجل
ان قاريء هذا البيت وقلبه ممتليء بالحب ، سيجيب – حتما – بالنفي . اذ كيف يطيق – مثل هذا المحب او ذاك – وداع حبيبته ؟ الا ان القصيدة تقول غير ذلك ، ذلك لان الراوي ( = الشاعر = المحب ) لم يكن حبه كاملا ، ولم تكن له حبيبة تبادله الحب ، وانما كان حبه بالنيابة ، أي لم يكن حبا بالاصالة ، ولكي لا نجني على احد شعراء المعلقات العشر ( او السبع ) بعد اكثر من 1400 عاما مضت ، نرجيء الاجابة القاطعة بعد قراءتنا لبعض ابيات معلقة ( الاعشى ) ، والتي يصف فيها تعلق قلبه بمن (يحب ) :
علقتها عرضا وعلقت رجلا غيري وعلق اخرى غيرها الرجل
وعـلقته فـتاة مــــا يحاولها ومن بني عـمها ميت بــها وهــل
وعلقتني اخيرى ما تلائمني فاجتمع الحب حب كــله تبــــــل
قبل ان نقول شيئا ، نذكر ان ( ام جليد ) هي نفسها (( هريرة )) التي يزعم الشاعر انه يحبها ، فودعها في بداية معلقته ، فهل كانت حقا حبيبته ، أي هل كانت تبادله الحب ، واي حب هذا ؟
ارى ان خير اجابه على هذا التساؤل ، هو ان نضع مخططا لهذا الحب المتداخل ، المتوالي ، المتوازي ... الخ .
اين موقع الشاعر ( المحب ) من هريرة التي يحبها ويصد عن ( الأ ُخيرى ) فيما (هريرة ) لاتحبه ، وانما تحب رجلا آخر ؟
ان الرجل الاخر الذي تحبه ( هريرة ) كان هو الاخر غير معني بحبها ، وانما يحب فتاة ( آخرى ) وبنفس الوقت ، كانت هناك ( فتاة ) تحبه دون ان يعير أهمية لحبها .. اما تلك( الفتاة ) فقد تعلق قلب ابن عمها بحبها دون ان تبادله هذا الحب .
اذا ، من هو المعشوق بين كل هؤلاء ؟ هل هي هريرة ، ام الشاعر ؟
ان الترسيمة السابقة تبين لنا انه لا الشاعر ولا هريرة هما المعشوقان بين كل هؤلاء ، وانما هو الرجل الذي لا نعرف عنه شيئا ، ان نصيبه من الحب ( المشتبك ) هذا نقطتين ، فهريرة تحبه ، والفتاة الاخرى ، التي تعلق قلبها به .
اما هريرة ، والشاعر نفسه ، فقد حصل كل واحد منهما على نقطة واحدة .
ان الاعشى قد بين في قصيدته هذه انواعا من علاقات الحب ..
النوع الاول هو حب الرجل للمرأة ، مثل حب الشاعر لهريرة وحب الرجل للــ ( اخرى ) وحب ابن العم للفتاة .
والنوع الثاني حب الــــ ( اخيرى ) للشاعر ، وحب هريرة للرجل ، وحب الفتاة للرجل .
اما النوع الثالث ، فهو علاقة الحب الموهوم ، وهو حب الرجل لــ ( الاخرى ) التي لا تعرف عن هذا الحب شيئا ، فظلت بعيدة عن جميع هذا العلاقات . لكنها تبقى في النهاية الفائزة الاولى في شبكة علاقات الحب هذه ، لان جميع ( سيول ) الحب التي تصب في مجرى ( الرجل ) تعطيه زخماً قوياً لكي يحب هذه الــ ( اخرى ) ،اما الخاسر الوحيد في كل هذا هو ابن عم الفتاة ذلك الــ ( ميت بها وهل ) اذ انه اعطى من حبه لأبنة عمه دون ان تعطيه هي او أي فتاة أخرى شيئاً من الحب .
فاي علاقات حب هذه ؟ أي مكسب سيجنيه القلب ، أو الروح من كل هذه العلاقات ؟
هل كان لوم الشاعر لـــ ( هريرة ) عندما صدته لوما ( في مكانه ) كما يقال ؟
ترى هذه السطور ، ان الإجابة هي بالنفي ، لان هريرة ليست الفتاة الوحيدة من بين فتيات هذه الشبكة التي صدت من تحب . اذ ان الجميع كانوا يصدون ( بوعي او بدونه) من يحب .. وتبقى هذه ( الأخرى ) مرفوعة الرأس ، وأنفها شامخ بتكبر وإصرار .. وليذهب الجميع إلى الجحيم .
*** ***
ليست خارج السياق :
واستطرادا مع حديث التعالق ، يذكر الجاحظ في ( المحاسن والاضداد ) : (( قيل : ولما استوثق امر العراق لعبد الله بن الزبير ، وجه مصعب اليه وفداً ، فلما قدموا عليه ، قال لهم : وددت ان لي بكل خمسة منكم رجلاً من اهل الشام . فقال رجل من اهل العراق : يا امير المؤمنين علقناك ، وعلقت بأهل الشام ، وعلق اهل الشام بآل مروان ، فما اعرف لنا مثلاً الا قول الاعشى :
علقتها عرضاً وعلقت رجلاً غيري وعلق اخرى غيرها الرجل
فما وجدنا جواباً احسن من هذا . )) (1) .
وذكروا ان الاخطل كانت عنده امرأة ، وكان بها معجباً ، فطلقها وتزوج بمطلقة رجل من بني تغلب ، وكانت بالتغلبي معجبة فبينا هي ذات يوم جالسة مع الاخطل ، اذ ذكرت زوجها الاول ، فتنفست الصعداء ، ثم ذرفت دموعها ، فعرف الاخطل ما بها ، فذكر امرأته الاولى ، وانشأ يقول : ( 2 )
كــلانا عـــلى وجــــد يبيت كـــــأنما بجنبيه من مس الفراش قروح
على زوجها الماضي تنوح وزوجها عــلى الطلة الاولـى كذاك ينوح
اما ليلى الاخيلية ، فأنها تقول لصاحبها توبة الحميري :
وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بــها فليس الـــــيها ما حييت سبيل
لنا صاحبٌ لا ينبغي ان نخونه وانت لاخرى صاحب وخـــليل ( 3 )
ويوجز المنخل اليشكري هذه العلاقة كما هي بينه وبين محبوبته او بين بعيره وناقتها قائلاً :
واحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري
الا ان عروة بن حزام العذري ، يجد تعارضا ً بين وجهته وبين وجهة ناقته لتعارض مكان محبوب كل واحد منهما . فبينما كان هو يغذ راحلته بأتجاه محبوبته ، يجد ان ( هوى) راحلته قد ابتعد كلما تقدمت به هذه الراحلة الى محبوبته .
يقول :
هـوى ناقتي خلفي وقدّامي الهوى وانــــــــي واياها لمختلفان
فأن تحملي شوقي وشوقك تفدحي وما بك بالحمل الثقيل يدان (4 )
الهوامش :
1 – موجز المحاسن والاضداد – 27 .
2 – المصدر السابق – 136 .
3 – الشعر والشعراء في العصر العباسي – 455 .
4 – النظام في شرح شعر المتنبي وابي تمام –

النص بين منشئه وقارئه".





شرت صفحة ( بصمة مثقف ) في صحيفة ( العراق اليوم ) دراستي عنه قصيدة للشاعرة سجال الركابي بعنوان (تمرين في القراءة "النص بين منشئه وقارئه"... محاولة لكتابة نص القارئ... قصيدة الشاعرة سجال الركابي انموذجا) شكرا لمحرر الصفحة الشاعر تحسين عباس :
تمرين في القراءة
"النص بين منشئه وقارئه"
محاولة لكتابة نص القارئ... قصيدة الشاعرة سجال الركابي انموذجا
قراءة : داود سلمان الشويلي
*(( ما للسماءِ تنبذُ النجوم !
وإن تهاويتٓ نجمةً ...
سَطعْتَ في ضمائرنا قَمَرْ ( هكذا )
أمّا التراب فإلى ترابٍ ...
هكذا جَزَمَ القَدَر .)).
بعد ان كتب عثمان بن عفان القران في سبع نسخ من المصاحف ،ارسل قسم منها للامصار الاسلامية ، وارسل مع كل مصحف قارئا ، فتعلم اناس منهم تلاوة القران حسب اللهجة التي كان يقرأ فيها او تعلمها من زمن النبي ، وبمرور الزمن كثر الحفاظ والقراء ، وتنوعت وتعددت القراءات ، فدون احد القراء وهو ابو عبيدة القاسم بن سلام كتابا في ذلك ، ثم تتالت الكتب المؤلفة عن القراءات ، فكانت هناك سبع قراءات، زادت الى العشرة ، ومن ضمنها القراءات الشاذة .
ومن خلال تلك القراءات كانت احداهن تختلف في قراءة المخاطب ، او ان الاختلاف كان يقع في قصد المتكلم الذي يختلف بين ان يكون ناقلاللخبر ، او انه يخاطب شخصا بعينه .
وكمثال على ذلك، يذكرالسجستاني في كتابه المصاحف في الجزء الاول تحت الفقرة 224 (( ... ويقراون ( دَارَسْت ) ،وانماهي ( دَرَسْت )... )) . ص331
وجاء في كتاب ( الاتقان ) في التنبيه الرابع :
(( 1105باختلاف القراءات يظهرالاختلاف في الأحكام ولهذابنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة في لمستم ولامستم)). ص209
من هذه الامثلة وفي غيرها الكثير ، نستنتج ان تغييرا طفيفا في اللفظة تقود الى معنى مغاير ، وتنثال معان ودلالات كثيرة على مخيال القاريء ، والمتلقي سماعا .
هذا جانب ، وجانب اخر هو ان هناك بعض الامورالتي تطرحها بعض النصوص الشعرية،وهي قضية الالتفاف التي تصيب الكلام فيه والذي معناه : انتقال مفاجئ أثناء الكلام إلى مخاطبة شخص أوشيء حاضرأوغائب،اوالعدول عن كلام إلى غيره،أوهوالخروج عن كلام منتظم إلى غيره ،وهذا ما دعته الدراسات الاسلوبية الحديثة انحرافاعن الاسلوب المعياري،وهذامايمتازبه هذاالنص القصير.
***
ان عنوان هذه الدراسة هو عنوان مكرر ، لانه ورد في دراسة سابقة لي نشرت في مجلة الاقلام في عدد ايلول - تشرين الاول 2000 ، تحدثت فيه عن النص الذي يبدعه الكاتب ليخرج في النهاية من قلمه وهو غريب عنه ، قابل للحديث عنه بعيدا عن منتجة ، قريبا من قارئه ،وللقارئ الحق ان يبنيه مرة اخرى حسب ما يراه ، او ما يقراه ، وقد انشأت تلك الدراسة نصا اخر يوازي نص الشاعر المدروس " رشيد مجيد" وقصيدته ( ليلة ممطرة ) التي يقول فيها :
*((الليلة ممطرة،
والبرد احدّ من السكين
وصوت الريح،وحشرجة المطرالمتدفق 000
والشارع اقفر،إلامن اصداء خطاها،
لاشيءسوى هذا،
وسوى اصداء خطاهاوسواها،
وحقيبتها المبتلة،والشعرالمتثائب في ملل،
فوق الكتفين 00 وانملها،
وهي تدق الباب ليفتح 00
منسيكون الليلة ضيفي 00؟
ومن الطارق 000؟
هذاوقع حذاءامرأة ستشاركني اليوم فراشي،
فسأدخلها 000 اوسأراها،
وانصاع الباب لها،وامتدت قامتها 000
امرأةتعبىت تأملني،
لم يتركهاالليل،وهذاالمطرالمتحدركالسيل،000
ان تختارمكاناغيرمكاني هذا،)).
اذ يتحدث النص عن امراة وصلت للتو الى مدينة غريبة في جو ممطر ، تطرق باب دار صاحبها رجل اعزب ، فيفتح لها الباب وتكون المواجهة ، واترك للقاري جمالية قراءة النص كاملا في مجلة الاقلام العراقية ، وفي كتابي ( رشيد مجيد ... انسانا وشاعرا ) المنشور في اغلب مواقع الانترنيت الادبية .
ثلاث مقدمات قصيرة اوردتها لتكون مرجعا لنا في هذه الدراسة ، وموجها رئيسيا اثناء قراءتها.
***
في هذه الدراسة سنقدم قراءة ثانية لنص شعري قصير للشاعرة سجال الركابي ، وتاتي هذه القراءة الثانية للنص استنادا للافاق العديدة والواسعة للغة العربية ، والتي تصنعها اعتمادا على تبدل وتغير الضمير الذي يحدد الشخص المخاطب ، او ما يسمى بضمير المخاطب ، وهو من الضمائر المتصلة ، وفي نصنا هناك يوجد ضمير ( تاء المخاطب ) الذي من خلاله يمكن ان نغير ما في سياق الجملة ، وكذلك من خلال تغيرصيغة الكلام.
القراءة الثانية التي تقترح هذه الدراسة ان تقرأ فيها هذه القصيدة ، وهي قراءة تابعة للمتلقي الذي هو انا وحسب ذائقتي في تلقي الشعر – و لا اصادر حق الاخرين في قراءة القصيدة ذاتها - من خلال صرف اللغة ونحوها ،وبالمعنى الذي تقصده ،او بالمعنى الذي ظهر لي وانا اقراها، او اللغة التي وضعتها فيها ، وهي القراءة الافضل بالنسبة لي انا المتلقي للشعر قراءة ، هي :
* (( ماللسماءِتنبذُالنجوم !
وإن تهاوت نجمةً ...
سَطع في ضمائرنا قَمَر
أمّاالتراب فإلى ترابٍ ...
هكذاجَزَمَ القَدَر .)).
ان الخطاب في القصيدة يتحدث عن النجوم (ماللسماءِتنبذُالنجوم !) فيجب ان تكمل القصيدة خطابها الذي تتكلم عنه .
وفي اللغة العربية فسحة في السماح للخطاب ان يبدل وجهته بين حين واخر ، كما قلنا عن الالتفات ، الا ان الاجود في الصياغة هو استمراره في توجهه الاصلي ، فتكمل القصيدة اخبارنا (وإن تهاوت ٓنجمةً .../ سَطع في ضمائرنا قَمَر)الخطاب موجه الى الغائب البعيد الذي يسطع في ضمائرنا بعد ان تتهاوى نجمة في السماء.
ان قصر النص لا يتحمل مثل هذه الامور الخاصة باللغة (وإن تهاويت ٓنجمةً ...سَطعْتَ في ضمائرنا قَمَر).
اذا كان الخطاب موجها لشخص بعينه فهو تحديد لا لزوم له ، على الخطاب ان يكون موجها للمجهول الذي يفسح المجال للتأويلات المنتجة والمثمرة، وانفتاح للمخيال كي تنثال صور ذاك المجهول امام الاعين .
ان القراءة اعلاه هي قراءة خاصة بي ولا الزم اي متلقي بها ليفهم النص الشعري القصير ودلالاته.
النص هو نص مفتوح امام التاويلات والاحتملات ، وليس نصا منغلقا ، لهذا استميح العذر من شاعرته لاني قرات النص وفهمت واولت معناه واستنطقت دلالاته حسبما تستدعي ذائقتي في الفهم والتلقي .

في سؤال التابو




نشرت مجلة (تاتو) في عددها لهذا الشهر استطلاعا قام به الشاعر والروائي علي لفتة سعيد ، وقد تضمن الاستطلاع سؤال مفاده: ( النص الادبي يعد نصا فردانيا يتوجه به الى المجموع وهم القراء المثقفين الذين يؤلفون امة ..وانه نص يخاطب الاخر ومخيلته وعقله وحتى عاطفته فلا بد ان يمنح الكثير من الحرية لكي يؤدي رسالته..ورغم ما للأدب ونصوصه من تأثير على ثقافة مجتمع وامة وانه لسان حضارتها وتنورها فان هناك في مجتمعاتنا العربية ثمة تابوات لا يمكن اختراقها ومنها السلطة الدينية..فهل تعتقد ان الدين والسلطة الدينية تحد من رسالة المؤلف المنتج وهل ما زال الاديب العربي يخاف من الاقتراب من هذا التابو ولماذا يخاف ومن جعل هذه السلطة مخيفة اصلا.؟) وكانت اجابتي عن السؤال هي :
جواب لسؤال الاستطلاع
----------------------:
داود سلمان الشويلي
لقد خاض سلفنا من المؤلفين العرب والاسلاميين خاصة قبل اكثر من مئتي عام في مسالة الجنس تحت اسم " النكاح "، و وضعوا مؤلفات كثيرة عنه ، بمفهومه العامي وليس الخاص ، و كانوا هؤلاء الكتاب من ائمة الدين الكبار ،ولهم في القضايا الدينية وفي الفقه مؤلفات كثيرة ، مثل السيوطي والنفراشي ،ويمكن الاطلاع على تلك المؤلفات في بحث لي نشر على المواقع الالكترونية المعتبرة بعنوان (الادب الايروتيكي في التراث العربي ) وكانوا في مؤلفاتهم تلك يسمون الاشياء باسمائها دون عيب، او خجل، او ممنوع ،او محذور، او ما شكل ذلك من التعابير والمصطلحات الجديدة.
اما في ادبنا منذ اكثر من مئة عام تقريبا ، فقد ناقشت الرواية العربية "المعتبرة " خاصة الجنس كغريزة متأصلة في المخلوقات دون اسفاف او مجانية في الطرح، حيث غادرت الصورة التجارية له ، اما عندنا في الرواية العراقية " المعتبرة " على اقلها ، فما زال الرقيب الداخلي لذاكرة الادباء ، يعمل بصورة جيدة ليل نهار ، لا يهدأ ولا يكل كطائرة " الاواكس " للانذار المبكر ، لاتخفي عنه شاردة ولا واردة في هذا المجال.
والجنس حاله حال الممنوعات الاخرى ( التابوات ) ، الدين ، والسياسة ،ما زال يشكل عائقا عند الكثير من روائينا ، فتركوه اضطرارا ، فلم يكن مطروحا في نصوصهم الابداعية الا نادرا ،وبشكل سريع ، لان تناوله – عند البعض - يعتبر مهمة غير سهلة ، ويشكل فخا ابداعيا على الاديب الحاذق تجاوزه ، ذلك لان الكتابة عنه ، وفيه ، وعليه تشكل عند البعض هما كبيرا ، لهذا فهم لايطرحونه في نصوصهم كموضوع من المواضيع الاجتماعية الاخرى ، وانما اهملوه ، او مروا عليه مر الكرام تلميحا لا تصريحا.
اننا كمجتمع اسلامي تعودنا من خلال العرف السائد على الممنوع في هذا الجانب ، ليس كتعليمات منزلة ، وقوانين مشرعة من رجال الدين ، انه العرف المتاصل فينا منذ القدم ، وهذا العرف هو ضد مسيرة الدين وتشريعاته واوامره ونواهيه ، وانتقل هذا العرف الى الادب ، والرواية والقصة خاصة ، من خلال كتابهما المبدعين وغير المبدعين .
ان السلطة الدينية العامة وليست الخاصة وغير المعتبرة تعد واحدة من التحديات لرسالة الكاتب الثقافية / الاجتماعية، اذ انها تكبله بقيود اكراهية قوية،حيث ما زال كاتب الرواية او القصة القصيرة يخاف من الاقتراب منه، فيلجأ في الكثير من الاحيان الى الرمز ، او الكناية ، او الكتابة الملغزة التي في بعض الاحيان لا يجيد بعض كتابنا مثل هذه الكتابة .
ادعو من خلال هذا الاستطلاع الى تناول مسألة الجنس حالها حال الموضوعات التي تتناولها الرواية والقصة القصيرة دون مباشرة او مجانية من حيث الفكرة والطرح والتناول ، لا لنؤسس لموضوعات جديدة ، وانما ليقول الكاتب كلمته في تلك الموضوعات المهمة ، وليكون انجازه الابداعي حافلا بالموضوعات التي تهم المجتمع الذي يعيش فيه .

(قصيدة الحطيئة " طاوي ثلاثا" ... ومفاصل التناص مع قصة اسحاق الذبيح التوراتية والقرانية) ..






شرت جريدة ( العراق اليوم ) على صفحتها ( بصمة مثقف ) يوم 19 / 8 ( الجريدة مؤرخة بتاريخ 19 / 7 خطأ) دراستي المعنونة
قصيدة الحطيئة " طاوي ثلاثا"
ومفاصل التناص مع قصة اسحاق الذبيح التوراتية والقرانية
قراءة : داود سلمان الشويلي
من الاقوال الشائعة " ان لا جديد تحت الشمس " ، و هذه المقوله ستبقى ترافقنا ونحن نقرأ الادب ، وخاصة الشعر منه ، ذلك لان الافكار ، و الموضوعات التي يتناولها لم تأت من باب الاختراع المجرد ، بل هي من باب الاكتشاف اقرب .
" لا جديد تحت الشمس " هي المرادف المعنوي – من المعنى – للمصطلح الذي صاغته " جوليا كرستيفا " بعدم صفاء جنس الادب بصورة عامة ، وذلك لوجود تبادل في العلاقات بين نص واخر ، وقد اسمته " التناص "، حيث انتقلت سلطة المؤلف على النص في هذا المفهوم الى سلطة النص على ذاته ، لهذا شطب النقد على المؤلف وابقى النص يحاور ذاته ، او بقية النصوص التي قبله ،او التي كانت محايثة له .
والتناص هو مفهوم اجرائي يقوم بتفكيك السنن التي حكمت النصوص ومرجعياتها وتعالقاتها مع نصوص اخرى .
اذن التناص هو تداخل وتقاطع النصوص، فالنص ليس نتاج شخص ما ، يصطلح عليه الشاعر او الكاتب ، بل هو نتاج النص نفسه ، او مجموعة نصوص غير محددة ، حتى ان النص الاول في الانشاء هو نتاج نص غير مكتوب ،ولا هو بالشفوي ، انه نتاج الحياة المتحركة.
امامنا في هذه الدراسة نص شعري للشاعر الحطيئة (ت: 45هـ)،يمكن ان نطلق عليه اسم ( طاوي ثلاثا ) . ونص اخر هو نص اسماعيل الذبيح ، بصورة توراتية (سفر التكوين ، الاصحاح 22 )، ، وبصورة قرآنية ( سورة الصافنات ،الايات : 99 – 108 ) ، سندرسهما من خلال هذا المفهوم الاجرائي ، التناص ، لنتعرف على مفاصل هذا التناص بين النص الشعري ، والنصوص الاخرى الدينية ، وتعالقاتها.
***
نص اسحق (اسماعيل) الذبيح التوراتي / القراني:
جاء في سفر التكوين ، الاصحاح 22 :
(( وحدث ان الله امتحن ابراهيم ، فقال له : يا ابراهيم .. خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق ، واذهب به الى ارض المريا ، واصعده هناك محرقة على احد الجبال الذي اقول لك ، فاخذ ايراهيم حطب المحرقة ووضعه على اسحق ابنه ، واخذ بيده النار والسكين .. ثم مد ابراهيم يده واخذ السكين ليذيح ابنه ، فناداه ملاك الرب من السماء قال ... لا تمد يدك الى الابن ولا تفعل به شيئا ،لاني الان علمت انك خائف من الله ، فلم تمسك ابنك وحيدك عني ، فرفع ابراهيم عينيه ونظر ، واذا كبش وراءه .. فذهب ابراهيم واخذ الكبش واصعده محرقة عوضا عن ابنه )).(1)
والقران يذكر:
(( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِين)).( سورة الصافنات ، الايات : 99 – 108 )
ان النصين يذكران موتيفة فداء البشر ( المتوقف ) في سبيل الاله.
والفداء بالابن ثقافة معروفة عند شعوب العالم في ذلك الوقت ، انتقلت الى التوراة ، والى عرب الجاهلية ، ثم الى "عبد المطلب الهاشمي" الذي اسبغ على هذه القصة الملامح العربية، فجعل من اسماعيل هو الذبيح بدلا من اسحاق في اليهودية، وحاول ان يذبح ابنه " عبد الله " ابو النبي محمد ، لهذا جاء في الموروث ان النبي محمد قال : انا ابن الذبيحين ،يقصد : اسماعيل ، وعبد الله .
اذا كانت المصادر ، وهي مصادر دينية ، روت قصة الذبح كتضحية و فداء للاله ، فان قصة او حادثة قصيدة الحطيئة قد جاء الذبح فيها لاكرام الضيف ، وهذا يمثل عدولا في القصة ، لانها جاءت لتروي حادثة واقعية ، الا انها تأثرت بما كان يدور عن قصة الذبح والفداء بالبشر في الثقافة العامة للمجتمع الذي كان يعيش فيه الشاعر الحطيئة، وفي الديانتين اليهودية والاسلامية ، وكذلك عند شعوب المنطقة .
***
الحطيئة والقصيدة:
هو : (( أبو مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي المشهور بـ الحطيئة. شاعر مخضرم أدرك الجاهلية وأسلم في زمن أبي بكر. ولد في بني عبس من أَمةٍ اسمها (الضراء) دعِيًّا لا يُعرفُ له نسب فشبّ محروما مظلوما، لا يجد مددا من أهله ولا سندا من قومه فاضطر إلى قرض الشعر يجلب به القوت، ويدفع به العدوان، وينقم به لنفسه من بيئةٍ ظلمته، ولعل هذا هو السبب في أنه اشتد في هجاء الناس، ولم يكن يسلم أحد من لسانه فقد هجا أمّه وأباه حتى إنّه هجا نفسه.)) ( المصدر:ويكيبيديا) وتذكر المصادر انه ارتد في اواخر حياته.
وهو صاحب القصيدة التي هجا بها الزبرقان ، اذ كان الزبرقان بن بدر التميمي سيد قومه عَمِل للنَبي ، وأبي بكر وعمر ، وقد أشتكى لعمر لما هجاه الحطيئة. فقال له عمر وما قال لك: قال: قال لي:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها واقعد فانك انت الطاعم الكاسي
وعندما سجنه عمر قال له شعرا:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبَهم في قعر مُظلمة فاغفر، عليك سلام الله يا عمر
إمامُ الذي مـن بـعد صاحـبه ألقى إليك مقاليدَ النُّهيوالامر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها لكن لأنفسهم كانت بك الأثرُ
فامنن على صبيةٍ بالرَّمْلِ مسكنُهم بين الأباطح يغشاهم بها القدرُ
نفسي فداؤك كم بيني وبينَهُمُ من عَرْضِ واديةٍ يعمى بها الخبرُ
والحطيئة يصنفه البعض من الدارسين على انه رائد في الشعر القصصي .
القصيدة:
وَطاوي ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ ببيداءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما
أَخي جَفوَةٍ فيهِ مِنَ الإِنسِ وَحشَةٌ يَرى البُؤسَ فيها مِن شَراسَتِهِ نُعمى
وَأَفرَدَ في شِعبٍ عَجُوزاً إِزاءها ثَلاثَةُ أَشباحٍ تَخالُهُمُ بَهما
حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما
رَأى شَبَحاً وَسطَ الظَلامِ فَراعَهُ فَلَمّا بَدا ضَيفاً تَشمَّرَ وَاِهتَمّا
فقال هيا رباه ضيف ولا قرى بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما
وَقالَ اِبنُهُ لَمّا رَآهُ بِحَيرَةٍ أياأَبَتِ اِذبَحني وَيَسِّر لَهُ طُعما
وَلا تَعتَذِر بِالعُدمِ عَلَّ الَّذي طَرا يَظُنُّ لَنا مالاً فَيوسِعُنا ذَمّا
فَرَوّى قَليلاً ثُمَّ أَجحَمَ بُرهَةً وَإِن هُوَ لَم يَذبَح فَتاهُ فَقَد هَمّا
فَبَينا هُما عَنَّت عَلى البُعدِ عانَةٌ قَدِ اِنتَظَمَت مِن خَلفِ مِسحَلِها نَظما
عِطاشاً تُريدُ الماءَ فَاِنسابَ نَحوَها عَلى أَنَّهُ مِنها إِلى دَمِها أَظما
فَأَمهَلَها حَتّى تَرَوَّت عِطاشُها فَأَرسَلَ فيها مِن كِنانَتِهِ سَهما
فَخَرَّت نَحوصٌ ذاتُ جَحشٍ سَمينَةٌ قَدِ اِكتَنَزَت لَحماً وَقَد طُبِّقَت شَحما
فَيا بِشرَهُ إِذ جَرَّها نَحوَ قَومِهِ وَيا بِشرَهُم لَمّا رَأَوا كَلمَها يَدمى
فَباتَوا كِراماً قَد قَضوا حَقَّ ضَيفِهِم فَلَم يَغرِموا غُرماً وَقَد غَنِموا غُنما
وَباتَ أَبوهُم مِن بَشاشَتِهِ أَباً لِضَيفِهِمُ وَالأُمُّ مِن بِشرِها أُمّا
لا نريد ان نتحدث عن الصور الفنية التي زخرت بها القصيدة وهي تنهج نهج من سبقها من قصائد عربية جاهلية ، والتي استمدها من بيئته ومن مخزونه الثقافي الذي نحن معنين به في هذه الدراسة ، ولكن نقول : ان الاصحاح 22 من سفر التكوين التوراتي ، وسورة الصافنات القرانية في الايات ( 99 – 108 ) يقصان علينا قصة ابراهيم عندما راى في المنام انه يذبح ابنه ( النص القراني ) ، فاعلم ابنه ذلك ، فقبل الابن " اسحاق ،اسماعيل " ان يذبحه اباه بأمر من الاله، وعندما تهيئا الى الذبح ، فداه الاله " بذبح عظيم " في القران ،و " كبش " في التوراة.
ان ذبح اسحاق او اسماعيل جاء لاسباب الاهية ، اذ انه امتحان الهي لصبر ابراهيم وخوفه من الاله ، ونجاحه في هذا الامتحان .
اما في القصيدة ، فان الواقع يتحرك امام اعيننا ، انه واقع ماثل للعيان ، متحقق ، وهو البؤس والفقر التي اصابت الشاعر واهله ، فوصل بهم الحال الى شد بطونهم ، وهذا البؤس عند ابن الصحراء المضياف يؤدي في الكثير من الاحيان الى الذبح في ذاك المجتمع الصحراوي الذي يقر الضيف، حيث يرى ان اكرام الضيف هو الغاية المنشودة في هذه الحياة .
إنَّها قصة قصيدة الحطيئة هي قصة أرضية من الواقع المادي المعاش ، قد تكون متخيلة ، الا انها محتملة الحدوث ، ولا يرفضها العقل والمنطق .
اما القصة الدينية فتاخذ اسلوبا متخيلا ، انه ابن الواقع ، الا انه واقعا متخيلا ، يعج بالغيبيات .
تقول القصيدة : ان شخصا ما ، وزوجه واولاده لم يصيبوا طعاما قط ، يسكنون في مكان من الصحراء ،وبينما هم كذلك واذا بضيف ينزل عليهم ، فاحتار الاب كيف سيطعمه وهو الفقير ، فيأتيه ابنه بفكرة ان يذبحه ويقدمه طعاما لضيفه ، وهذا الفعل هو افضل من ان تذهب سيرته بين الناس بانه لم يقر الضيف ، وبينما هم في تلك الحيرة بين الذبح والضيف اذا بـ ( عانة = حمار الوحش ) تروي عطشها ، فصادها ، وذبحها ،واطعم ضيفه ، وعائلته.
يتمفصل ما جاء في الاصحاح 22 ، والايات القرانية ، مع القصيدة في عدة مفاصل ، على اعتبار ان القصيدة سبقت الايات القرانية لانها – اي القصيدة – لم تذكر من الاسلام اي امر ، كالتوحيد ، ونبوة محمد ، وامور اخرى تتناول الفقر والحاجة ، وجاءت بعد ذكر الذبح في التوراة ، ولما كانت كذلك فهي قصيدة وقعت حوادثها كما تروى ، او ان متخيل الشاعر قد اضاف لها من موروثه الشعبي ومن ثقافة مجتمعه الذي كان جزء منها متأثرا بالثقافة اليهودية ، التوراتية ، عن ذبح ابراهيم لابنه اسحاق ، قبل نزول الايات القرانية ، اي قبل البعثة .
او، ان الشاعر كتب قصيدته هذه بعد البعثة ، فتضافرت الثقافتين ( التوراتية ) و ( القرانية ) في متخيل الشاعر ، وانتجت قصيدته هذه.
ان الشاعر وهو يكتب قصيدته ، يعيد كتابة قصة اسحاق الذبيح التوراتية، وقصة اسماعيل القرانية ، بتغيير سبب هذا الذبح ، حيث حرر القصة / الاسطورة التوراتية ( والقرانية ) من البعد السماوي ، واعادها الى ارض الواقع المتحرك.
فالنص الشعري " طاوي ثلاثا " يتناص مع الاسطور / القصة ، التوراتية / القرانية في التفكير بالذبح ، الا انه يختلف عنه في الاسباب التي تدعو اليه ، وهنا جودة الفكرة عند النص الشعري.
ان التفكير في الذبح في القصيدة، وفي النصين التوراتي والقراني يفضي الى حلين هما : اما الذبح ، او عدمه .
ان عدم الذبح هو ان يكون هناك بديلا عن المذبوح ، وفي النصين الدينيين يرسل الاله الى ابراهيم ذبح عظيم " كبش " ، اما في القصيدة فالبديل هو اصطياد حمار الوحش " عانة " وذبحها ، واطعام الضيف.
ان الية التفكير في النصوص الدينية هي غير الية التفكير في النص الادبي ، واذا كانت النصوص الدينية تفكر في انها منزلة من الله ، فان الية تفكير القصيدة هي الية تفكير الواقع المتحرك الذي انتجها.
وهكذا نخلص الى ان النص الشعري يكون قريبا من النص المتناص معه ، وبعيدا عنه في الوقت نفسه .
بعيد عن الاسباب الداعية الى الذبح في النصوص الثلاث، وقريب في الفكرة والانشاء.
النصان الدينيان بوجهيه التوراتي والقراني ، وكذلك النص الشعري ،يفكران في الذبح ، الديني بامر الهي لمعرفة طاعة ابراهيم لامر الله، والشعري ، مساعدة الابن لابيه ( طاعة )، كمخرج للازمة التي وجد فيها الاب نفسه ، وهو ( العوز ) .
والنصان كذلك يتمفصلان في عدم الذبح ، مع تغير الاسباب المؤدية الى ذلك .
اذا كان النصان الدينيان يعدلان عن الذبح بسبب كون الاله قد ارسل فداء عظيما بدلا من الابن ، فان النص الشعري جعل فداء الابن يتم بواسطة ذبح حمار الوحش ( عانة ) جاءت لتروي ظمأها ، فيصيدها الاب .
***
الهامش :
(1) وكذلك ما فعله " يفتاح " بذبح وحيدته ابنته كما جاء في التوراة ، سفر القضاة ، الاصحاح 11 .
وفي المسيحية كذلك ، حيث التضحية بالبشر ، فكان ان صلب المسيح لفداء الانسانية (( فهو قد مات ،مات من اجل خطايانا )) ( رسالة بولس الاولى الى كونثوس ) .
وكذلك ما كان يعتقده بعض متطرفي الشيعة عن الحسين ومقتله في كربلاء ، في ان مقتله هو فداء عن اخطاء الشيعة .
(قصيدة الحطيئة " طاوي ثلاثا" ... ومفاصل التناص مع قصة اسحاق الذبيح التوراتية والقرانية) ... شكرا لمحرر الصفحة الشاعر تحسين عباس :

السخرية الحادة والتحريض المخفي ... الخطاب الكاريكيتيري للفنان " حسون الشنون ") .



غدا يوم الاحد 17 / 8 تنشر صحيفة ( الخقيقة ) على صفحة ( اشكال والوان ) دراستي عن فن الكاريكيتير الذي يقدمه الفنان حسون الشنون بعنوان ( السخرية الحادة والتحريض المخفي ... الخطاب الكاريكيتيري للفنان " حسون الشنون ") ... شكرا للشاعر عدنان الفضلي.
السخرية الحادة والتحريض المخفي
الخطاب الكاريكيتيري للفنان " حسون الشنون "
* الكاريكاتير بوصفهِ خطاباً مقاوماً وانتقادياً وساخراً *
قراءة : داود سلمان الشويلي 
الكاريكاتير هو الفن الساخر والتحريضي من انواع الفنون التشكيلية، والسخرية التي يحملها هي سخرية مأساوية، او سخرية ملهاتية "مضحكة "، والمبالغة كذلك في السخرية ، لهذا يمكن عدها السلاح الاكثر امضاء في اي ظاهرة غير سوية ، وغير قويمة ، والواقع اليومي عند هذا يكون هو الملهم لذلك. والصورة التي يقدمها هذا الفن تبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية، أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، وذلك بهدف السخرية ،أو النقد السياسي اوالاجتماعي . وفن الكاريكاتير له القدرة العالية على توجيه النقد ،اكثر مما تقوم به المقالات والتقارير الصحفية ، وهدفه الاساس هو بناء فكر وعقل الانسان من اجل الوصول الى واقع افضل. ان فن الكاريكاتير هو القدير على اظهار عيوب الاشخاص والمجتمع من اجل اصلاحها وتجاوزها . وبهذا نرى أن هذا الفن قد اتبع طريقين ، الاول بالتشكيل فقط ، والثاني بالتعليق مع التشكيل على شكل نكتة او حوار قصير والذي يظهر المفارقة في الفكرة المراد توصيلها. الصورة الكاريكاتيرية المقدمة في وسائل الاعلام هي رسالة - تحمل طابع السخرية المبالغ بها - من الرسام إلى المتلقي وهو ابن المجتمع ، ومن هذا فإن الفكرة الكاريكاتيرية الاساسية تنقسم إلى عدة أنواع ، منها الافكار السياسية ومنها الافكار الاجتماعية. ورغم أن الكاريكاتير يستخدم البساطة في الرسم لنقل المعنى والمضمون، إلا أن له الدور المؤثر في الدفاع عن قضايا مهمة سياسية واجتماعية في حياة الانسان. وبهذا فان هذا الفن استخدم الصورة والكلمة في التعبير عن فكرة ما ليؤثر عميقا في وجدان وفكر وعقل المتلقي. لهذا ، فانه جمع مدهش بين الخيال والواقع من خلال منظور واحد، لهذا فهو الأقرب إلى الإنسان لانه فن طريف وممتع ، وايضا هو فن الضربة القاضية لريشة فنان من خلال التعبير عن فكرة او راي في حركة فنية خفيفة من جهة ثانية. وحديثنا عن فن الكاريكاتير يستدعي منا الوقوف على ما انجزه الفنان حسون الشنون من لوحات كاريكاتيرية شكب منها معرضا افتتح مؤخرا في مدينة الناصرية. امامنا الان العشرات من تلك اللوحات الكاريكاتيرية ، وسنقوم بدراستها فنيا واسلوبيا وكذلك فكريا ، لنصل الى الهدف الذي يبغيه هذا الفن ، وتوجهه الخاص والعام .
ولاجل الدراسة قسمنا اللوحات التي انجزها الفنان الشنون الى مجاميع ، هي : 
* لوحات تنتقد الظواهر الاجتماعية .
* لوحات تنتقد الظواهر السياسية. 
* لوحات تنتقد ظواهر الكترونية مجتمعية . 
* لوحات تنتقد الانتخابات. 
* لوحات تنتقد افعال البرلمان. 
* لوحات تنتقد الدوائر والمؤسسات والموظفين.
* لوحات تنتقد الحكومة. 
* لوحات تنتقد ظواهر دينية. 
* لوحات تنتقد كذب السياسين؟
* مجموعة لوحات "ابو نعال ". 
* مجموعة لوحات " ابو شعلية ". 
* لوحات متفرقة. 
وعن " انتقاد الظواهر الاجتماعية " بقدم لنا الفنان لوحة لاحد ( الذكور ) من اصحاب الثروة الحديثة، وبيده مسبحة ، ويصعد سيارة فيها اربعة من نسائه المحجبات ، ويشاهد احدى النساء وهي سافرة ( ملحومة ) فيقول لها: ( انت اختاري اطلق كم وحدة). توضح لنا هذه اللوحة الازدواجية التي يعيش فيها مثل هذا الحديث النعمة، التي تؤدي الى انفصام الشخصية، والجوع الجنسي ،وهذا هو التخلف الاجتماعي المدان . اما اللوحة الثانية فتوضح لنا احلام الفتاة العانس التي فاتها قطار الزواج، والتوظيف على السواء ، بسبب الضروف التي يمر بها بلدنا هذا الوقت ، تحلم هذه الفتاة بالتعيين ، ومن ثم الخطبة ،لان اكثر الخطاب لا يقبلون بفتاة عاطلة عن العمل لاسباب اقتصادية في وقتنا هذا ، وتحلم بان تصبح اما، وحلمها هذا لايتعدى فراشها الذي تنام عليه. وفي مجموعة لوحات "الانتقادات السياسية" نجد ان هناك لوحة تمثل احد السياسين يجلس على كرسي مدير عام يدعو ربه ويقول ( يارب يارب ... يطالبون باستقالتي حتى اصعد للوزارة) هذه اللوحة تمثل الكثير مما طردوا او اجبروا على الاستقالة او تمت مساءلتهم ، فما كان من الحكومة ورئيسها الا ان ينسبهم في وظيفة اعلى من الوظيفة التي كانوا فيها.
وفي الظواهر التي اتت بها " التطورات الالكترونية" في الاتصالات والانترنيت هو ( الكوامة العشائرية) بسبب هذه الاجهزة والاسعمال الخاطيء لها.
شاب يتحدث مع شابة على الفيس بوك وتخبره انها من المغرب ، الا انها تظهر من المدينة نفسها التي يسكن فيها الشاب، اي (بنت ولاية) ،فيطالبون اهلها بفصل عشائري . مثل هذه الحادثة التي ينتقدها الفنان في لوحته الكاريكاتيرية تحصل دائما بين العوائل بسبب الاستخدام غير الصحيح للتقنية الحديثة، وايضا تقدم انتقاد لبعض العوائل التي تضع ابنتهم كطعم لصيد الشباب ، للحصول على مكاسب مادية.
ومن مجموعة (الانتخابات ) اخترنا لوحتين، احداهما يوضح الرسم فيها الفكرة التي بني عليها الفنان الرسم الكاريكاتوري، وهي مأخوذة من اغنية الفنان الكبير حسين نعمة (ياحريمة) ، فراح الشنون يبني عليها فكرة لوحته وهي صورة للفنان حسين نعمة رافعا اصبعة المصبوغ باللون البنفسجي وهو يغني اغنية (ياحريمه) ، لتأسفه لانتخاب هذه الوجوه. استغل الشنون الاغنية في الرسم الكاريكاتوري ، واسم الفنان حسين نعمة المعروف بين الشعب ليعطي قوة تأثير لرسمه عند المتلقي.
اما اللوحة الثانية فتقدم نقدا للدعاية الانتخابية التي شاعت بين اوساط المرشحين ، وتمثل اللوحة التي كتب فيها انتخبوا مرشحكم ابن عم الدكتورة حسنة وعديل ابن خالة الدكتورة وزوج الدكتورة حسنة وابو اولادها .. وجيران ابو...) فيما تظهر اللوحة شخضا يحمل صورة فتاة ،والاثنان يلبسون النظارات؟ اللوحة تتناص مع واقع حال اغلب المرشحين الذين سودوا لوحات دعاياتهم وكارتاتهم بهذا الهذر . 
وهي نقد بناء يعادل في تأثيره بل يزيد عليه لو كتب على شكل مقالة تنشر قي صحيفة لا يقرأها الا القليل. في مجموعة (البرلمان) هناك لوحة كاريكاتيرية لعضو البرلمان الذي يعدد انجاته وهي ( 2622لقاء صحفي، 6620 ظهور على التلفزيون ، 444 سفرة للخارج ، كتابة مذكراتي ) وكل الذي انجزه لم يكن للشعب حصة فيه . 
هذا عمل البرلمانين عندنا ،مثلما كان موقفهم من رواتب الموظفين حيث هناك لوحة رسمها الفنان الشنون توضح ذلك . تمثل اللوحة رافعتين آليتين احداهما الآلية الكبيرة التي ترفع سلم رواتب الموظفين ، والاخرى صغيرة ترفع سلم رواتب البرلمانين . 
المفارقة المضحكة / المبكية ان الرافعة الكبيرة لم ترفع سلم رواتب الموظفين الا قليللا ، فيما الرافعة الصغيرة استطاعت ان ترفع سلم رواتب البرلمانيين اعلى بعشرة اضعاف سلم الموظفين .
يوجه الفنان الشنون نقدا لظاهرة متفشية عند موظفينا ومسؤولي دوائرنا هي الاهتمام بدوائرهم وتزينها عند زيارة مسؤول كبير، اما لو لم تتم زيارته لتلك الدائرة، فانها تبقى زريبة للحيوانات .
اللوحة تبين احد الموظفين يسأل صاحب مشتل ان كان يؤجر له بعض النباتات لتزيين دائرته لان رئيس الوزراء سيزورهم. انه النفاق الحكومي / السياسي بعينه ، واللامسؤولية التي يتحلى بها هذا الموظق المرسل من مديره. وفي " انتقاد الحكومة " اخترنا ثلاث لوحات ، الاولى عن الفيضانات ، اذ يرسم الفنان لوحة كاريكاتيرية فيها مسؤول يقف على دكتين الواحدة فوق الاخرى وتحيط به المياه من كل جانب ، وهناك شخص وسيارة يخوضون في الماء الذي يصل الى منتصفهما ، و كذلك هناك بطات تسبح وهذا المسؤول يصيح بالمايكرفونات التي امامه : ( وين الفيضان ... المياه حد صدر البطة). المفارقة الموجودة في قول المسؤول وما تبينه اللوحة ان اي كمية من المياه حتى لو كانت بعمق الف متر فأن الماء سيغطي اسفل صدر البطة . 
في الوحة الثانية انتقاد للمسؤولين على السيطرات في تمشية السيارات بدون تفتيش لكي يتسنى لهم الحديث مع اصدقائهم في الهاتف ، العسكري الذي في الصورة يقول في الهاتف ( فرغت السيطرة .. اطلع .. اطلع ..حتى انسولف .. حبي). 
في لوحة ثالثة توضح ان رئيس الوزراء ومن شاشة التلفزيون يطلب من الشعب ان : ( اعتبروا ... العشر سنوات بث تجريبي)!!!وكأنه مثل قنوات التلفزيون وفي " انتقاده للظواهر الديني" عند البعض – وما اكثرهم – من الموظفين ، قدم الشنون لوحة فيها مدير دائرة حكومية قد ترك عمله وراح يصلي ، والمراجعين يصطفون قرب الباب بانتظار ان ينهي صلاته ، مع العلم انه يعمل براتب وعليه ان يصلي خارج الدوام الرسمي كما قال الفقهاء. 
هذه عينة من اللوحات الكاريكاتيرية اخترتناها لكي نوضح كيفية استغلال هذا الفن والتعامل معه في رصد الظواهر السلبية في المجتمع على كافة اصعدته ان اللوحات التي اخترناها في هذه الدراسة كشأن اللوحات الاخرى للفنان حسون الشنون - ارجأنا الحديث عنها من مثل : ( لوحات تنتقد كذب السياسين، مجموعة لوحات "ابو نعال "، مجموعة لوحات " ابو شعلية "، لوحات متفرقة) الى وقت اخر- تعتمد الرسم واللغة ،والرسم في هذه اللوحات يعتمد الخطوط القوية ، يحيث نحس بعمق اللمسة وحيويتها ، وكذلك يعتني الفنان كثيرا في تفاصيل شخوصة و امكنته ، معتمدا اللونين الاسود والابيض.
ان اعتماد الفنان في الرسم على قوة خطوطه جاء ليؤكد قوة الفكرة وانتقاده للظاهرة السيئة، واستخدامه للونين الاسود والابيض في الرسم هو ابعاد عن البهرجة اللونية ، واعطاء الفكرة الثقل في اللوحة. اما استخدامه للغة فياتي من حاجة الرسم الى التوضيح المركز، وهذا التوضيح يأتي بشكل حوار بين اثنين ، ان كانوا حضورهم في اللوحة او كان المتكلم حاضرا والاخر غائب عن اللوحة وهو الشعب الذي غيب عن المشهد ، فالشخص المتحدث وهو المسؤول دائما يتحدث الى لا شيء ، لان الشعب في واد وهو في واد اخر.