الاثنين، 27 يونيو 2016

(العفوية والتلقائية في القصيدة التسجيلية ... تجربة سامي مهدي الشعرية انموذجا ).



شرت صفحة " الف ياء " في جريدة ( الزمان ) دراستي عن الشاعر الكبير سامي مهدي بعنوان
(العفوية والتلقائية في القصيدة التسجيلية ... تجربة سامي مهدي الشعرية انموذجا ).
العفوية والتلقائية في القصيدة التسجيلية ... تجربة سامي مهدي الشعرية انموذجا
قراءة : داود سلمان الشويلي 
هناك من الناس من يستطيع ان يرى الواقع ، و يشغل مخياله به ، و يرى في رؤاه وباصرته ما يفعله المخيال بذلك الواقع ، الا انه لا يستطيع التعبير عنه بلغة ما ، بكلمات وجمل ، فيبقى ما يبصره بباصرته من رؤى كامنا في ذاكرته .
و هناك من الناس من يستطيع استخدام اللغة في التعبير عما يرى او يشعر به ، او يصوره مخياله ، هذا الاستعمال يأتي بصورتين ، احداهما استخدام القاموس اللغوي كما هو ، او بمجازات وكنى تغير من تلك اللغة ، فتنتج عند ذاك ما يشكل نوع في الكتابة ، وهو النوع السردي ، قصة او رواية .
و الصورة الثانية استخدام القاموس اللغوي ذاك بكل مجازاته وكناه ، ولكن بتكثيف اللغة ابداعيا ، يجعلها لغة مفارقة ، غير عادية ، مضافا لها الايقاع الداخلي او الخارجي ، و الصور التي ينضح منها الشعر ، عند ذاك تكون القصيدة .
و في تاريخ الشعر العربي الممتد من قبل الاسلام باكثر من مئتي سنة الى الان ، لم نقرأ – حسب علمي المتواضع - قصيدة واحدة قدمت على انها قصيدة " تسجيلية" سوى ما اطلق الشاعر العربي محمود درويش على احدى قصائده لفظة "تسجيلية " ، وهي قصيدة " مديح الظل العالي " – 1983. ( انظر : الاعمال الاولى – 2 – دار رياض الريس - ص331 ).
وفي الوقت نفسه ، من يقرأ الشعر منذ العصر الجاهلي الى عصرنا هذا يجد ان اكثر القصائد تنضح منها هذه الصفة دون ان يلتفت اليها الشاعر ، او يشير لها.
لنأخذ اي قصيدة جاهلية تصور لنا المقدمة الطللية ، او مطاردة الظبي ، او اي حيوان داجن او مفترس ، مثلا ، ونتساءل الم تكن هذه المقدمة ،وتلك المطاردة ، حالة تسجيلية ،حيث اخذ الشاعر كاميرته وراح يسجل بعين المخيال ما يراه من الطلل و في المطاردة؟ انها تصوير لما يحدث امامه عينيه في بيئته.
يقول امرؤ القيس :
فعن لنا سرب كأن نعاجــــــه...عذارى دوار في الملاء المذيل
فأدبرن كالجزع المفصل بنية ... بجيد معم في العشيرة مخـول
فألحقنا بالهــاويات و دونه ... جواحرهــا في صرة لم تزيل
التسجيلية في الشعر ليست تهمة او سبة ، بل هي نوع من الشعر يغطي غرضا ما ، وهو تسجيل ما تقع عليه العين من امور يرى الشاعر ، المنتج ، ضرورة في تسجيلها وتقديمها للمتلقي ، مثل كاميرا المصور ، انها تسجل كل ما تقع عليه ، فتبرزه كوثيقة يمكن البرهنة بها عند رؤيته بنفسه ، لهذا نجد في مجال السينما ، ان اكثر دارسي الفيلم التسجيلي يطلقون كلمة " وثائقي " بدلا من " تسجيلي " دون الاخلال بالغاية .
ان الشاعر لا يمكنه ان يقدم شعره على انه " وثيقة " او " حقيقة " لا حقيقة من بعدها ، وذلك لان شعره مرتبط ارتباطا وثيقا بمخيال الشاعر الذي انتجه ، لهذا دافعت مرة عن الشاعر سعدي يوسف وقلت ((ويبقى الشعر هو الشعر يقول الحقيقة كما يراها الشاعر شئنا او ابينا ، ولكن مخيلته لا تتخيل الاشياء فقط، إنما تعيد بناء هذه الأشياء وتقدمها لنا بطريقة لا تخلوا من عمل تلك المخيلة وذلك الواقع.
الشاعر لا يسأل بصورة "منطقية" عما يكتبه ، ولا عن الحقيقة التي ترد في تلك القصيدة ، لا نسأله عنها أهي متطابقة ام لا ؟
الشعر بناية بعد ان يخرج منها العمال تصبح ملكا لمن يسكن فيها، اي ان القصيدة تصبح ملكا للمتلقي ،فان سعدي يوسف غير مسؤول عن كيفية تلقي القراء لها .)) . ( الشعر خارج منطقته - ليس دفاعا عن الشاعر سعدي يوسف - الحوار المتمدن )
وقلت مرة : (يجب ان لا نحاكم شعره بمنظور غير منظور الابداع الشعري ، لاننا عند ذلك سنسحب البساط الابداعي من تحت اقدام هذا الشعر ، اما موقف الشاعر ، وليس شعره ، تجاه الحياة والانسان وكل شيء فهو خاص به ).( راجع مقالنا :السلوك الشخصي للشاعر وسلوكه العام - جريدة الحقيقة ليوم 3 / 3 / 2014 )
الشعر يقول نفسه لا يقول ما يريده الشاعر، ومن هذا تاتي القصائد التسجيلية لمحمود درويش ولسامي مهدي من هذا الباب ، انها تسجل ما تراه بعين ( كاميرا ) المخيال الشعري ، لان النص الشعري يخلق في حالة استثنائية بعيدا عن قائله وواقعه المعاش ، وقريبا من مخيال هذا القائل ، لهذا فلا مطابقة بين حياةِ الشاعر وقصيدته،اذ تحشر القصيدة في زمن قراءتها لوحدها ولا شيء معها.
يقول الشاعر سامي مهدي عن قصائدة التي سماها " تسجيلية " والتي كتبها عام 2003 بعد الاحتلال مباشرة : ( في شهور الإحتلال الأولى كنت أكتب أحياناً قصائد إنفعالية ، تغلب عليها العفوية والتلقائية ، فهي ردود أفعال آنية ، وهي تسجيلية الطابع ، بمعنى أنها ترتبط بوقائع يومية كانت تجري في ظل الإحتلال ، لم أفكر بقيمتها الفنية ، ولم أكترث لما كان يرد فيها من فجاجة أحياناً ، أو من كلمات عامية . فقد كانت بالنسبة لي نوعاً من التسرية والتسلية ، والتعبير عن انعكاس لحظة الواقعة علي ، والتنفيس عما كنت أعانيه من ضغوط نفسية . ولذلك لم أعتد بقيمتها الفنية ، ولم أنشرها في ديوان ، وظلت حبيسة الأدراج حتى أيامنا هذه .).
ويقول كذلك : ( في أيام الإحتلال الأولى كنت أكتب أحياناً قصائد عابرة ، إنفعالية ، تسجيلية الطابع ، أسجل فيها بعض ما كان يجري في البلاد ظل الإحتلال دون أن أكترث لقيمتها الفنية ، وكانت كتابتها نوعاً من التسلية ، والتعبير عن الموقف الشخصي ، والتنفيس عما كنت أعانيه من ضغوط نفسية . ).
كتب الشاعر سامي مهدي هذه القصائد تحت ظروف عامة وخاصة دفعته الى ان يكون انفعاليا ،عفويا ، تلقائيا ، شعر انه يكتب ردود افعال آنية ترتبط بوقائع يومية تجري في ظل الاحتلال الامريكي .
وهو السبب نفسه الذي حدى بالشاعر محمود درويش ان يكتب قصيدته التسجيلية تلك ، حيث كتبها تحت تأثير الواقع الأليم، وادانه ، كشاعر يرى ما لم يراه غيره ، للعالم العربي الذي وقف مكتوفا هو والإنسانية جمعاء امام ما يرى الذي يجري تحت نظره في فلسطين المحتلة، فيما الشاعر يرى امام عينيه ذلك ، وتسجله كاميرته بكل عفوية وتلقائية من وقائع يومية تحدث امام ناظريه.
ان قصائده هذه تعتمد الواقع كمرجعية رئيسية ، ومخيال مبدع و شغال مسلح بلغة غير قاموسية ، وبصور شعرية متنوعة ، وبإيقاع داخلي او خارجي ، وبرؤى تضم الكل لتنتج ما نسميه شعرا .
لنتساءل ، هل قصائد الشاعر التسجيلية هذه تحمل قدرا من الواقع المعاش الذي تراه ( كاميرا الشاعر ) ، لنقول بالتالي ان هذه القصائد تستند الى مرجعية قوية وثابتة ، وهو الواقع ، كما قال عنها الشاعر سامي مهدي في انها ، اي القصائد ، ( ترتبط بوقائع يومية كانت تجري في ظل الاحتلال ) ؟
- يقول الشاعر في قصيدة ( في انتظار البرابرة ) :
* هم مشغولونَ بآبارِ النفطِ وإسرائيل ولا شيءَ سوى هذا ..( عن هم الامريكان والدول الاستعمارية ).
- ويقول في قصيدة (حريق المكتبة الوطنية):
* عندما أحرقوها تطايرتِ الكلماتْ .( عن احراق المكتبة العامة ).
- و يقول في قصيدة ( نهب المتحف الوطني ) :
* قد يسرقون قناعَ سرجون العظيم
أو درعَ سنحاريبَ ، أو قيثار معبدنا القديم
قد ينهبون حليَّ بو _ آبي وما اكتنزته من حجرٍ كريم
أو كل ما يجدون من رُقُمٍ وأختامٍ تحدّث عن عصورِ الأولين
قد يسرقون ويهدمون ويقتلون. ( عن نهب المتحف الوطني )
- ويقول في قصيدة (إلى سجّانة أمريكية( :
* إنغلاندْ
أنت يا .. لندي يا ..إنغلاندْ
أيروقكِ هذا الولَدْ ؟!( عن صور تلذذها وهي تعذب العراقيين في سجن ابي غريب ).
- ويقول في قصيدة (فضائيات) :
* فضائياتْ
وإعلامٌ حياديٌّ
بلا لعبٍ على الأهدافِ والغاياتْ
فلا تزويرَ في الأخبارِ ، أو تحريفَ ، أو تضليلَ ، أو بهتانْ
حقائقُ مستقاةٌ من فمِ الميدانْ
ومن دمهِ ، ولم يعبثْ بها إنسانْ ،
ولم يتدخّلِ الرقباءُ في المرفوضِ والمقبولْ
ولا المعلومِ والمجهولْ
ولا المضمومِ في الأدراجِ والمنقولْ .
- ويقول في قصيدة (شكرا(:
* أشكرُ الإحتلالْ !
فهو منشغلٌ بمصائبهِ ،
وأنا بفراغي ،
وكلانا يحاولُ أن يتقنَ الصبرَ والإحتمالْ .
.............. الخ من الواقع الذي يرسمه النص الشعري التسجيلي .
اما ما رسمه المخيال في هذا الواقع ، فيمكن ان نأتي بأمثلة كثيرة تقف مع الامثلة السابقة الحاملة للحقائق اليومية، لينشئا بعد ذلك قصيدة تسجيلية متكاملة ، وهذا ما رسمه المخيال .
لنرى ما فعل مخيال الشاعر بالوقائع التي صورتها كاميرا ( عين ) الشاعر نفسه :
- في قصيدة ( حريق المكتبة الوطنية) :
* وابنُ رشدٍ يتابعُ دورتَها في الطبيعة ِ
حتى تعودَ إلى الأرضِ في موسمٍ قادمٍ
مطراً من حروفٍ منضّدة ٍ
في ملايينَ من كتبِ المكتباتْ .
- وفي قصيدة (نهب المتحف العراقي) :
* لكنهم لن يقتلوا ما حلَّ في دمنا وأزهر منذ آلاف السنين
فالمتحف الباقي هو النبتُ المعرّشُ في القلوبِ ،
قلوبِنا وقلوبِ كل القادمين .
- وفي قصيدة (إلى سجّانة أمريكية ( :
* واختطفي طيرَه ،
مزّقيه ، 
كلي لحمَه نيّئاً
قبل أنْ تظفر َ الأخرياتُ به ،
أو يراكِ من الجائعين أحدْ !
....
إنغلاندْ
كلُّ شيء مُعَدٌّ هنا للتلذّذِ ،
فاغتنمي وجبةَ اليومِ
من رعبِ هذا الجسدْ !
- وفي قصيدة (فضائيات ) يقول:
* فما الجدوى من التهويلِ والغلواء
وثمة من ينافسنا ، هنا وهناك ، من شتى الفضائياتْ
ومن قد يوقعون بنا لدى السلطاتْ
فنُطرَدُ خائبينَ كأننا وَبَأ من الأوباءْ
فنحن هناك ضيفٌ طاريء من سائر الأضيافْ
وليس وراءنا سيفٌ يحامينا ولا سيّافْ ؟!
وماذا سوف نقبضُ من جماعتنا العراقيينْ
إذا ما نحن أصررنا على نقلِ الوقائعِ
دونما حجبٍ ولا حذفٍ ولا تهوين ؟!
وأنتم تعرفونَ .. فإن حقَّ الناسِ في الإعلامِ
نَزْرٌ ، مثل حقّ اللهْ
وأما حقُّ قيصرَ فهو كلُّ الحقِّ .
هذه امثلة لكيفية عمل مخيال الشاعر بمرجع واحد للشعر وهو ( الواقع ) ،فهناك واقعا ماثلا امامنا ،شأنا او ابينا ، نشاهده بأم العين ، نسجله ، ونوثقه ، بوساطة الة التصوير ( الكاميرا = العين ) ، حيث بمقدور كل انسان ان يقوم بذلك ، ان يرى ذلك ويسجله ويوثقه ، فيما الشاعر يستخدم مخياله الابداعي لاعادة تركيب تلك الصور الواقعية ، بلغة وايقاع وصور شعرية متنوعة.
تتصف تسجيلية الشاعر سامي مهدي في ما رسمه المخيال الابداعي من صور تشكل حيثيات ما يحدث في ذلك الواقع العياني ، بانها: 
اغلبها ذات بنية سردية محكمة :
- فهو يسرد في قصيدة ( إلى سجّانة أمريكية) ما يرى ويسجل ويوثق :
* إنغلاندْ
أنت يا .. لندي يا ..إنغلاندْ
أيروقكِ هذا الولَدْ ؟!
عذّبيهِ إذن ،
عذّبيهِ ،
وعرّيهِ ،
واختطفي طيرَه ،
مزّقيه ، 
كلي لحمَه نيّئاً
قبل أنْ تظفر الأخرياتُ به ،
أو يراكِ من الجائعين أحدْ !
- ويقول في قصيدة (حمحمة ) :
* في كلِّ الأوقاتْ
تخترقُ الشارعَ أرتالُ الدبّاباتْ
وتحومُ الدوريّاتْ
في الحيّ
وحولَ البيتِ ..
غزاةٌ أمريكيونَ
زنوجٌ
هسبانيّونَ
رعاعٌ بيضٌ
أبناءُ سفاحٍ
أيديهم والرشّاشاتْ
وأنا لا أملكُ أيَّ سلاح !
هل أقبعُ في جِلْدي ؟
هل أجعلُ من جوفي بيتي ؟
هل أطبخُ ذلّي وأُقِيتُ به نفسي ؟
أم أفطمُ روحي برذاذِ الصلواتْ ؟
وتحمل بعض الاستعارات اللغوية الابداعية :
- ففي قصيدة ( الأدلاّء ) تتبين الاستعارة واضحة :
* مثل كلابٍ تتقدّمُ موكبَ سادتِها الصيّادينْ
جاءوا مع أرتالِ الدبّاباتْ
بثيابِ أدلاّءَ ولباقةِ قوّادينْ.
- او قوله في قصيدة (باعنا هؤلاء ) :
* باعَنا هؤلاء
باعنا الباطنيونَ والجبناءْ
باعنا الأخوةُ الورعونَ بلا ورعٍ
حينَ ألقَوا بنا في غيابةِ جبٍّ
من الكيدِ والإفتراءْ
ثم لم يقبضوا ثمنَ البيعِ
- وقوله كذلك في قصيدة (الديك ) :
* بول بريمر
ديكُ القيصر
مختصٌّ ، قيل ، بكلّ شؤونِ الإرهابْ
فافتحْ يا شعبُ له الأبوابْ
قصائد الشاعر ساخرة :
- فالسخرية واضحة في قصيدة ( شكر) : 
* أشكرُ الإحتلالْ !
فلولاه ما كنتُ أسقي الحديقةَ ،
أو أستضيفَ العصافيرَ ،
أو أطعمُ القطَّ ،
أو أرتخي ساعة في الظلالْ .
ولولاه ما كان لي نزهةٌ في فجاجِ السماءِ
ولا خلوةٌ في جنانِ الخيالْ ،
ولا رفقةٌ تجمع الشعراءَ ،
ولا فسحةٌ للتأمّلِ في ما وصلنا إليهِ
وما سيكونُ لنا من مآلْ .
وفي قصيدة ( جي غارنر) يقول :
* ما كانَ إلاّ ذلكَ المحنّطَ المنسيّ
في مهملاتِ المتحفِ الحربيّ
وعندما احتاجوا إلى مَنْ يملأ الكرسيّ
تذكّروه فجأةً فأخرجوهْ
ونفَّضوا غبارَهُ
وأصلحوا هندامَهُ
وعلّبوهُ ثم أرسلوهْ
فسَخَّرَ العميلَ و" الهتليّ "
واللصَّ وابنَ اللصِّ والدعيَّ والغبيّ
ليحكمَ الناسَ بهمْ أمامَ هذا العالمِ المخصيّ !
قصائدة ناقمة مما يحدث:
-والنقمة واضحة في تلك القصائد ومنها قصيدة (حمحمة ) :
* كلّا !
بيتي هو بيتي
و بيوتُ الجيرانْ
والشارعُ
والمقهى
والسوقُ
وكلُّ الثُكناتِ المهجورةِ
كلُّ الوطنِ المجروحِ المتعفّر ِبالأحزانْ
وأنا ..
إنْ كنتُ بلا أيّ سلاحٍ
فلديّ رصاصُ الكلماتْ !
ان القصيدة التسجيلية وهي تسجل كل ما يحدث امام العين ( كاميرا الشاعر ) بكل عفوية وتلقائية ، لاتطرحه كما يرسمه الواقع هكذا بصورة خام ، وانما تدخله في معملها الابداعي ، المخيال ، ليخرج لنا قصيدة مفعمة بروح القصيدة الشعرية الفنية والناضجة بكل تلقائية وعفوية تصل الى ان نعتقد انها خبر او روبرتاج صحفي وليس شعرا.

(" ربما " أمير الحلاج... دراسة في قصائد " الدائرة خارج الشرنقة " )



نشرت "ثقافية "جريدة ( الشرق ) يوم الخميس 23 / 6 دراستي عن المجموعة الشعرية للشاعر امير الحلاج بعنوان (" ربما " أمير الحلاج... دراسة في قصائد " الدائرة خارج الشرنقة " ) شكرا لمحرر الصفحة .
" ربما " أمير الحلاج... دراسة في قصائد " الدائرة خارج الشرنقة " 
قراءة : داود سلمان الشويلي
الشعر هو:(أجود الالفاظ في أجود نسق، وإنه تخير لمداليل بعينها) - كولردج -
اهتم النقاد العرب القدامى بالللغة من حيث انها معطى اجتماعي تعارف وتصالح عليه الناس ( راجع الخصائص لابن جني ) ، وكذلك ، اولوا الكلمة الشعرية اهتمامهم ، فدرسوها ، و وضعوا اشتراطات محددة لما يسمى بالكلام الشعري، منها ان اللغة كلها لا تصلح لان تكون لغة شعرية ، فللشعر لغة خاصة ، وعلى الشاعر ان يختار الفاظه كي يتجنب الفاظ لغات اخرى كأن تكون لغات علمية ، او عامية ، وذكروا ان اللغة الشعرية لها خصائص من شأنها أن تثير السامع من حيث مجالها الصوتي او الايحائي ، فاصبحت عند ذاك اللغة هي الغاية لا الوسيلة ، الغاية من حيث ان الشاعر يبحث عن المعنى، وعندما يجده ، يبنيه بناء شعريا ، ولهذا يعتبر الشعر لعب في اللغة وعلى اللغة.
وعندما يبحث الشاعر عن اللغة التي هي عبارة عن الفاظ وكلمات ، فاننا لا نقيدة بالفاظ وكلمات معينة ، لان ذلك يحد من حريته في البحث في اللغة ومجاهلها وما مخفي منها ، او عن المجاز فيها ، ليصل الى لغته الشعرية ذات المدلولات والايحاءات العديدة ، والمتنوعة .
ولما كان الشعر ذا اغراض عديدة ومتنوعة ، فان لغته تختلف من غرض الى اخر .
ان اختيار اللغة يعود الى وعي وثقافة الشاعر ، فكلما كان الشاعر واعيا لمهمة اللغة ، ومدركا لاستعمالاتها ، كلما كان اختياره صائبا ، وكلما كانت ثقافته اللغوية واسعة ، يكوت اختياراته صائبة ايضا .
بين يدي مجموعة شعرية للشاعر امير الحلاج بعنوان " الدائرة خارج الشرنقة " ( دار ميزوبوتاميا – 2016 ) مكتوبة بلغة الشعر التسعيني التي تتصف برمزيتها العالية ، وايحائيتها المولدة ، وقدرتها على ان تحمل اكثر من مدلول .
رأينا في لغة قصائد المجموعة ان الشاعر ، و في اكثر من قصيدة ، اختار لفظة جافة وغير شعرية واستخدمها في القصائد تلك ، على الرغم من اننا نفهم جيدا ان لا وجود لكلمة غير شعرية ، فعندما يستخدمها شاعر متمكن من لغته ، تلبس لبوس الشعر ، وهذه اللفظة هي " ربما " التي هي: أَدَاةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ :- رُبَّ :- وَ :- مَا :- الزَّائِدَةِ . ( المعجم: الغني)
و رُبَّما :- بمعنى من المحتمل ، وهي مركَّبة من ( رُبَّ ) و ( ما ) الكافة ، تدخل على المعارف ، وعلى الأفعال ، وقد تخفَّف فيقال : رُبَما :- رُبَّما حضر الغائب ، - ربّما عليٌّ قادم . ( المعجم: اللغة العربية المعاصر)
في قصائد مجموعة " الدائرة خارج الشرنقة " ترد لفظة " ربما " ست مرات في الصفحات 21 مرتين ، 52 ،57 ، 76 ،80 ، وهي ترد بمعنى " من المحتمل " أي ان الشاعر يتوجس خيفة من قول الحقيقة ، فيضع اجابته في مرحلة الاحتمال الكامن فيها .
في قصيدة تجاعيد ، يقول الشاعر : ص21
* والطبيبُ يقولُ :
- ربَّما مرضٌ عضويُّ التسبّبِ أو نفسي.
فالاحتمال قائم بين ان يكون المرض عضوي او نفسي .
ويقول ايضا :ص21
* تهربُ المرآة حينَ أُواجهُها
مابالُا في الهروبِ ؟
ربَّما هذه وسيلتُها في الرثاءِ
أَو الخشيةُ على سطحِها المصقولِ
أن يخدشَ من ذكرياتِا الطفولَةَ.
المرأة هاربة لا محالة ، الا ان الشاعر يضع لهروبها اسبابا محتملة ، فأما انها تهرب بسبب جعل الهروب هو رثاءها للعزيز عليها ، او ان الهروب هذا سيفيدها في المحافظة على ذكريات طفولتها من ان تخدش او ينالها امر ما . 
ويقول في قصيدة " الممحاة": ص52
* قالَ:
- غيومُ المكتباتِ ستمْطرُ عليكَ كلَّ المماحي،
ربَّما لحْظةُ سهوٍ أو لحظةُ صحْوٍ بقارعةِ العمْرِ ،
قالَا واخْتفى دونَ الإعادة لشعْلَةِ القصْدِ ،
أَنْ هَلِ ارتكبتُ خطأَ النظرةِ في بيئةِ العَنْدَمِ !
الامر بين امرين اما ان تكون " غيوم المكتبات " قد تمطر في لحظة سهو ، واما في لحظة صحو..
وفي قصيدة " محاق " يقول : ص57
* مثلَ اختلالَينِ ينبثقانِ سواداً يماثل نافورةَ النورِ
والرأسُ مِنْ صدمةِ التيهِ يصدمهُ كاسرُ العنقِ حالَ تألقِهِ
ربّما مِنْ خيالٍ سما الشطحُ فيهِ
وإنْ هيمنتْ لحْظةُ السهْوِ في عَفَنِ الذكرياتِ
فتعلو إلى غيمةِ الليلِ
قبّةُ وأْدِ الصَّباحِ.
في هذه القصيدة ترد " ربما " لتسحب من وراءها احتمالا واحدا لا اثنين ، وهو " ربّما مِنْ خيالٍ سما الشطحُ فيهِ" وهذا الاحتمال الوحيد الذي فرضه حال تألق الرأس.
وفي قصدة " حوار الكؤوس " يقول : ص76
* يزرعْنَ العيونَ المتساقطةَ مِنَ المحاجرِ
في خطوطِ البنِّ المترسِّبِ
أو يشكو الشايُ المتروكُ اليهِ
ربَّما مِنْ زيادةٍ في السكَّرِ
ربَّما مِنْ بعضِ المرارةِ
والبعضُ يتأفَّفُ مِنَ البرودةِ .
ترد لفظة " ربما " مرتين ، وفي كل مرة تعطي احتمالا متغيرا ، وليس كما رأيناها في القصائد السابقة ، حيث تفصل (او ) بين الاحتمالين ، وهي اداة عاطفة تفيد التخيير بين شيئين ، او امرين ، او احتمالين .
قي قصيدة " نيزك " يقول الشاعر : ص80 
* لا تهمني البقعةُ التي تحْتويني
ربَّما سيذوبُ جبلٌ منْ جليدٍ
ربَّما بالغليانِ سيصابُ المحيطُ
أَوْ تتهدمُ مدينةٌ كاملةٌ
أَوْ أصنعُ في الأَرضِ المنبسطةِ
حفرةً مقعرةً
أَوْ أستقرُّ على قمَّةِ أعلى الجبالِ .
ترد لفظة " ربما " خمس مرات ، منها مرتين ترد صريحة اللفظ ، وثلاثة اخرى ترد مستترة او مخفية ، او غائبة ، فالاحتمالات في هذه القصيدة اكثر من اثنتين ، انها احتمالات خمس ، فهي اما ذوبان جبل الجليد ، او غليان ماء المحيط ، او ان تتهدم مدينة ، او صناعة حفرة مقعرة ، او الاستقرار على قمة جبل.
في الابيات الشعرية التي تغيب فيها لفظة " ربما " فان " او " العاطفة ، تحجز ما بين الاحتمالات تلك .
وبهذا نرى الشاعر قد استعمل لفظة واحدة هي " ربما " استعمالات ثلاث ، اما ان يكررها هي لقول احتمالاته ، او ترد مرة واحدة وبعدها يستخم اداة العطف " او " ، او يستخدم الامرين في قصيدة واحدة .
وقد استخدمها الشاعر في ديوانه " من النقطة الى الدائرة " فقال في قصيدة "هاتف في افتراضات" : ( ص 46 )
* ربما قطعوا الخط منتظرين اكتمال قيمة الفاتورة السابقة
ربما الجرس عاطل
ربما السلك، لشد حملها قطعته شاحنة عابرة .
اذ استخدمها في هذه القصيدة ثلاث مرات لزيادة التأكيد على الاحتمالات ، كاستخدامه لها في قصدة " حوار الكؤوس " ، و قصيدة " نيزك " من هذه المجموعة. 
هذه الاستعمالات اتاحت للشاعر التنوع في استخدام اللغة ، وعدم التكرار الذي يصيب المتلقي بالممل ، وهذا معناه ان له القدرة في استخدام قاموسه الشعري ، ويمتلك المهارة في ان يبعث في الفاظة الطاقة الايحائية الشعرية ، والدلالية ، والصوتية ، وقد امتلك الشاعر ، عند استخامه لقاموسه الشعري ، الخصوصية التي مكنته من التفرد من بين شعراء التسعينات في طرح لغة تساير ما ينتجه من قصائد تتصف بنوع خاص من الرمزية.
انه حرر لغته المستخدمة من قيدها القاموسي ، أي في انتظامها في المقاييس الخارجية ، والبسها ثوبها الشعري ، فادخلها عالم قصائده ، عندها امتلكت جمالية شعرية .
و الشاعر ثمانيني ، حسب تصنيف الشعراء على العقود ، تحمل قصائده التي ضمتها مجاميعه الاربعة لغة خاصة بها ، وصور شعرية ذات ايحاءات تجد صعوبة في الولوج في ذائقة المتلقي الا بعد حين ، انها تجعل ذائقة المتلقي واعية ، مستفزة ، منتبهة ، لما يسمع ، او يقرأ من هذه القصائد.
هذه المجموعة هي الرابعة للشاعر ، إذ سبق ان اصدر : مواجيد الحلاج /شعر / 1989، نقطة فوق هامش التوضيح / شعر / 1997، من النقطة الى الدائرة /شعر / 2001.