الأربعاء، 31 أغسطس 2011

اعتقادات خاطئة - الاسماء المقدسة

اعتقادات خاطئة

الاسماء المقدسة

داود سلمان الشويلي

هناك مجموعة من الاعتقادات الخاطئة عند بعض المسلمين ، كما هو الشأن عند بعض معتنقي الديانات السماوية الاخرى ، وقد وقفت على الكثير منها، ودخلت في نقاش طويل مع من يعتقد بها ،والتي صارت عندهم كشيء مقدس، منزل من السماء لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، ومن هذه الاعتقادات الكثير ، سنناقش بعضها بالقدر الذي تسمح به المصادر الموثوقة والمعتمدة عند هذا البعض.

***

الاسم المقدس:

يجد الكثير من الكتاب المسلمين والذين هم بعيدون عن المصادر الموثوقة ، ان بعض الاسماء لم يسم بها احد قبل ان تطلق على بعض الشخصيات الاسلامية ، وهذا خطأ ، لا لان الاسماء ما هي الا اصوات مرتبة المخارج – حالها حال عناصر اللغة الاخرى - اطلقت بصورة اعتباطية على الاشياء المرئية ،حسب ، وانما هي قد تعارف عليها كل مجتمع، او اشتقت من مصدر قد توافق عليه ذلك المجتمع . فأننا نرى ان بعض اسماء مجتمع ما غير مقبولة عند مجتمع آخر ، ولاسباب كثيرة منها اخلاقي ومنها ديني ومنها اجتماعي .

ومصادر الاسماء كثيرة ، فالمجتمع الوثني تعتمد فيه اسماء الشخوص على مصادر تختلف عن مصادر المجتمع المتدين ،الموحد خاصة ، وكذلك فأن مصادر مجتمع الموحدين مختلفة بين ان تكون مسلمة او ان تكون مسيحية او ان تكون يهودية ، وهكذا تتعدد الاسماء بتعدد المصادر، ولا يوجد اسم منزل من السماء ليعطي قدسية للشخص الذي اطلق عليه ، على الرغم من ان الاسم لوحده لا يعطي قدسية لاحد لانه اصبح اسما شائعا بين الناس ، وخير مثال على ذلك ان اقدس اسم في الوجود هو اسم (الله) لم يطلق هذا الاسم على احد ما منذ الخليقة الى يومنا هذا ، الا اننا نجد ان هذا الاسم يختلف ليس بأختلاف اللغات فحسب ، بل بأختلاف المجتمعات على الرغم من تحدثهم لغة واحدة .

رب من يقول ان اسم (الله) قد ورد في القرآن ، وهذا دليل على قدسية الاسم ، ونرد على القائل ، لو ان القرآن قد نزل بلغة غير لغة العرب فماذا سيكون ؟

بعد هذه المقدمة ، يعتقد بعض المسلمين – بعض متطرفي الشيعة – ان اسمي (الحسن والحسين) لم يطلقا على احد قبل مولدهما .

***

تدعي اغلب كتب بعض المسلمين، ان اسمي الحسن والحسين قد نزل بهما جبريل من السماء عند ولادتهما ، وأ ُمر بهما النبي (ص) ليسمي ابناء ابنته بهما ، بدلا عن الاسماء التي سماهم بهما والدهما .

والذي دفعني لكتابة هذه الدراسة،هو ان مديرية المناهج في وزارة التربية العراقية بعد الاحتلال الامريكي ادخلت في منهج التربية الاسلامية للصف الثالث المتوسط (تأليف وتنقيح لجنة في وزارة التربية – الطبعة المنقحة - 2010 ) ، درس خاص بالامام الحسين وذكرت فيه هذه المعلومة : ((سماه رسول الله (الحسين ) ولم يكن هذا الاسم معروفا قبل الاسلام)).ص 59

اذا كان القسم الاول من (الفقرة) المعلومة صحيحا ، فالقسم الثاني منها كان غير صحيح.

لان المصادر المتوفرة تقول غير ذلك ، فهل اراد واضعي هذه المعلومة التدليس على الطلاب في كتاب اكاديمي يتعلم من خلاله ابناءنا الطلبة والطالبات المعلومة الصحيحة؟

***

تسمية السبطين الامامين:

اختلفت الروايات في هذا الموضوع ،في الكثير من المواضع، ربما بفعل تقادم الزمن وطريقة العنعنه (آليات النقل الشفاهي) الرئيسية.

فالروايات تذكر ان السبطين سميا بأسماء الحسن والحسين من قبل الرسول(ص) ، الا انها تختلف بوجود الاضافات في الرواية، فهناك :

1 – روايات تذكر ان والدهم الامام علي اسماهم بـ (حرب).

2 – روايات اخرى تذكر ان الامام علي اسماهم بـ (حمزة وجعفر).

3 – روايات تذكر ان الرسول(ص) اسماهم الحسن وحسين ، إن كان ذلك:

آ – بدون سبب. ((أخبرنا أبو الحسن السلمي الفقيه ، أخبرنا أبو الحسن أحمد ابن عبد الواحد بن محمد بن أبي الحديد ، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان ، أخبرنا أبو الدحداح أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي ، أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الأشجعي الجوبري ، أخبرنا سفيان بن عيينة : عن عمرو ، عن عكرمة قال : لما ولدت فاطمة الحسن أتت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه حسنا ، فلما ولدت حسينا أتت به النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : هذا أحسن من هذا فشق له من اسمه وقال هذا حسين)). (1)

ب – اشتق(ص) اسم الحسين من الحسن. (( أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن أيوب الهمداني ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي ابن المهتدي بالله . حيلولة : وأخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن ، أخبرنا عبد الصمد ابن علي بن محمد ، قالا : أخبرنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثني محمد بن عبد الملك بن زنجويه ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج : أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتق من اسم الحسن الحسين)).(2)

ج – انه(ص) أ ُمِر بهما ، وروايات تزيد فتقول : من السماء.

- ((عن علي بن أبي طالب ، أنه سمى ابنه الأكبر حمزة ، وسمى حسينا بعمه جعفر ، قال : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اني أمرت أن أغير اسم ابني هذين . فقلت : الله ورسوله أعلم ، فسماهما حسنا وحسينا . )).(3)

- (( سمى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المولود السعيد حسنا بأمر الله تعالى ، وقد اشتقه الله من اسمه « المحسن » ، وقد سماه الله بهذا الاسم - كرامة له ولأبيه وأمه وجده لما خلق نور محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل خلق العالم وآدم بأربعة عشر ألف سنة - على رواية - . واسم الحسن في الكتب السماوية « قيدار » ، والقيدار هو الثاني من الأوصياء والأول من العترة)) .(4)

- ((وقال له جبرائيل اقرء فاطمة بنت نبيك مني السلام وقل لها تسميه الحسين فقد سمى الله عز وجل اسمه حسينا وانما سمى الحسين لانه لم يكن في زمانه احسن منه وجها)).(5)

- (( وبكى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وبكت الملائكة ، وقال جبرائيل إقرأ فاطمة ابنتك السلام وقل لها : تسميه الحسين فقد سماه الله جل اسمه وإنما سمى الحسين لأنه لم يكن في زمانه أحسن منه وجها )).(6)

د- سماهم (ص)على اسماء اولاد هارون ، شبر وشبير.

- ((ما روي أن عليا عليه السلام سمى كل واحد من أبنائه حربا فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله فسماهم حسنا وحسينا ومحسنا وقال : إني سميت بني هؤلاء تسمية هارون لبنيه شبرا وشبيرا ومشبرا )). (7)

- (( أخبرنا أبو العز ابن كادش ، أخبرنا أبو محمد الجوهري ، أخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن نصير ، أخبرنا جعفر بن محمد بن عتيب ، أخبرنا محمد بن خالد بن خداش ، أخبرنا سالم بن قتيبة ، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه : عن هانئ بن هانئ عن علي قال : لما ولد الحسن سميته حربا فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما سميت ابني ؟ قلت : حربا . قال : هو الحسن . فلما ولد الحسين سميته حربا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما سميت ابني ؟ قلت : حربا . قال : هو الحسين . فلما ولد محسن سميته حربا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما سميت ابني ؟ قلت : حربا . قال : فهو محسن . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : اني سميت بني هؤلاء تسمية ‹ صفحة 29 › هارون بنيه شبرا وشبيرا ومشبرا )) . (8)

4 – روايات تذكر ان اطلاق التسمية جاءت مباشرة عقب ولادة كل واحد منهما من قبل الرسول(ص).

5 - روايات تذكر ان اطلاق التسمية جاءت عقب ولادتهما من قبل الرسول (ص)، أي بعد اكثر من سنة من ولادة الحسن.

6 – هناك رواية من راو ٍ واحد يتناقلها سلسلة رجال السند من بعده وهو (عمران بن سليمان)، تؤكد على ان الاسمين من الاسماء التي تطلق في الجنة، ويؤكد قائلا :ما سمعت العرب بهما في الجاهلية .

(( قال الدولابي : أخبرنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ، أخبرنا أبو غسان مالك بن إسماعيل ، أخبرنا عمرو بن حريث : عن عمران بن سليمان ، قال : الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة لم يكونا في الجاهلية . رواه عنه في ترجمة الإمام الحسين من أسد الغابة : ج 2 ص 19 )).

في كتابه (حياة الإمام الحسين (ع) : ج 1 : ص 30 - 34) يناقش مؤلفه الشيخ باقر شريف القرشي بعض الروايات ، والتي يقول عنها بأنها اقوال شاذة، فيقول:

(( وحفلت بعض مصادرالتاريخ والاخبار بصور مختلفة لتسمية الإمام الحسين ( ع ) لا تخلو من التكلف والانتحال وهي :

1 - ما رواه هانئ بن هانئ عن علي ( ع ) قال : لما ولد الحسن جاء رسول الله ( ص ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حربا ، قال : بل هو حسن ، فلما ولد الحسين قال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حربا ، قال : بل هو حسين ، فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : حربا ، فقال بل هو محسن. وهذه الرواية - فيما نحسب - لا نصيب لها من الصحة وذلك :

أ - أن سيرة أهل البيت ( ع ) قامت على الالتزام بحرفية الاسلام وعدم الشذوذ عن أي بند من أحكامه ، وقد كره الاسلام تسمية الابناء بأسماء الجاهلية التي هي رمز للتأخر والانحطاط الفكري ، مضافا إلى أن هذا الاسم على جد الأسرة الأموية التي تمثل القوى الحاقدة على الاسلام والباغية عليه ، فكيف يسمي الامام أبناءه به ؟ ! ! . )).

وترى الدراسة ، ان الابناء يشمل البنين والبنات، فهل بنات الامام علي لم يطلق عليهن اسماء جاهلية ؟

لنراجع المصادر، ونبحث عن بعض اسماء بنات الامام علي على سبيل المثال ، هن : زينب، ام كلثوم ، ورملة ، ورقية، فنجد:

1 - زينب:

(( - زينب اليشكرية – غير معروفة الولادة ولا الوفاة – شاعرة جاهلية – زوجة مالك بن فند الذي قتل في حرب بكر وتغلب.

- زينب ام حسانة الضبية – غير معروفة الولادة ولا الوفاة – شاعرة جاهلية من البادية.

- زينب بنت فروة التميمية – غير معروفة الولادة ولا الوفاة – شاعرة جاهلية ، كانت امها اعجمية .

- زينب بنت فروة الشيبانية– غير معروفة الولادة ولا الوفاة – شاعرة جاهلية ، قتل والدها في وقعة عين أباغ.

- زينب بنت مالك – غير معروفة الولادة ولا الوفاة – شاعرة جاهلية ، تنتمي الى قبيلة نزار وهي اخت ملاعب الاسنة)). (9)

عن خبر النعمان بن المنذر مع كسرى ، يذكر صاحب الاغاني:

(( وجعل النعمان يستعد ويتوقع حتى أتاه كتابه: أن أقبل فإن للملك حاجةً إليك، فانطلق حين أتاه كتابه فحمل سلاحه وما قوي عليه، ثم لحق بجبلي طي وكانت فرعة بنت سعد بن حارثة بن لأم عنده، وقد ولدت له رجلاً وامرأة، وكانت أيضاً عنده زينب بنت أوس بن حارثة، فأراد النعمان طيئاً على أن يدخلوه الجبلين ويمنعوه فأبوا ذلك عليه، وقالوا له: لولا صهرك لقتلناك، فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى، ولا طاقة لنا به. ...)) . (الاغاني - ص 918 - 919)(10)

(( أول مولود ولد في الإسلام قبل الهجرة عبد الله بن عمر: وأمه زينب بنت مظعون الجمحي تزوجها عمر في الجاهلية، فولدت له عبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وحفصة )).(الاوائل – ابو هلال العسكري - ص337)(11)

(( ....ثم خلف على أروى بنت عبد المطلب كلدة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فولدت له فاطمة؛ فولدت فاطمة: زينب بنت أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار قصى؛ فولدت زينب بنت أرطاة: كبشة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس؛ تزوجت كبشة بنت الحارث مسيلمة الكذاب؛ ثم خلف عليها عبد الله بن عامر ابن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. )). (نسب قريش – مصعب الزبيري - ص 32) (12)

(( ويزيد بن أبي سفيان، ولاه أبو بكر الصديق ربع أجناد الشأم، مات في زمن عمر بن الخطاب، واستخلف على عمله معاوية أخاه، فأقره عمر؛ وأمه: زينب بنت نوفل بن خلف بن فوالة بن حذيفة بن طريف بن علقمة وعلقمة الذي يقال له "جذل الطعان" )). ((نسب قريش – مصعب الزبيري- ص 225) (13)

(( خطب علي بن أبي طالب جويرية بنت أبي جهل؛ فشق ذلك على فاطمة؛ فأرسل إليها عتاب. وأم عتاب بن أسيد وأم أخيه خالد: زينب بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس.)). (نسب قريش – مصعب الزبيري - ص 319 )(14)

***

2- ام كلثوم:

((- ام كلثوم بنت عبد ود العامرية – غير معروفة الولادة ولا الوفاة – اخت عمرو بن ود العامري الذي قتله علي بن ابي طالب ، شاعرة ، اسلمت يوم فتح مكة )). (15)

***

3 - رملة:

(( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص وهما بأرض الحبشة وأصدقها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار وهو الذي كان خطبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الأسدي.)). (16)

(( اسماء المهاجرات الى الحبشة:

- رملة بنت شيبة بن ربيعة من المهاجرات هاجرت مع زوجها عثمان بن عفان. في ذلك تقول لها هند بنت عتبة: من الوافر

لحى الرحمن صابئة بوج ومكة عند أطراف الحجون

تدين لمعشر قتلوا أبـاها أقتل أبيك جــاءك باليقين

- رملة بنت أبي عوف بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم. هلك زوجها المطلب بن أزهر بن عبد عوف بأرض الحبشة. وولدت له هناك عبد الله بن المطلب.)). (17)

***

وعود على بدء ، يؤكد القرشي: (مضافا إلى أن هذا الاسم على جد الأسرة الأموية التي تمثل القوى الحاقدة على الاسلام والباغية عليه ، فكيف يسمي الامام أبناءه به ؟ ! ! ).

تتساءل الدراسة، الم تكن زينب ام يزيد بن ابي سفيان، وكذلك اخته رملة بنت ابي سفيان (زوج الرسول "ص") من عائلة الاسرة الاموية ؟؟!( التي تمثل القوى الحاقدة على الاسلام والباغية عليه).فضلا عن ان اسميهن قد اطلقا عليهن عند ولادتهن في الجاهلية (قبل البعثة).

ويكمل القرشي تفنيده ،فيقول:

(( ب - إن اعراض النبي ( ص ) عن تسمية سبطه الأول به مما يوجب ردع الامام عن تسمية بقية أبنائه به .

ج - إن المحسن باتفاق المؤرخين لم يولد في حياة الرسول ( ص ) وإنما ولد بعد حياته بقليل ، وهذا مما يؤكد انتحال الرواية وعدم صحتها )).

2 - روى أحمد بن حنبل بسنده عن الإمام علي ( ع ) قال : لما ولد لي الحسن سميته باسم عمي حمزة ، ولما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر فدعاني رسول الله ( ص ) فقال : إن الله قد أمرني أن أغير اسم هذين فسماهما حسنا ، وحسينا ". وهذه الرواية كسابقتها في الضعف فان تسمية السبطين بهذين الاسمين وقعت عقيب ولادتهما حسب ما ذهب إليه المشهور ولم يذهب أحد إلى ما ذكره أحمد)).

لهذا ترى الدراسة ان كل الروايات التي تذكر اسم حرب ، و الروايات التي تذكر جعفرا وحمزة،و الروايات التي تذكر ولادة المحسن زمن الرسول "ص" ، والرويات التي تذكر تسمية السبطين سوية بعد ولادة السبطين ،هي روايات موضوعة.

***

ويتابع القرشي، فيقول:

(( 3 - روى الطبراني بسنده عن الإمام علي ( ع ) أنه قال : لما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر فدعاني رسول الله ( ص ) وأمرني أن أسميه حسينا ، وهذه الرواية تضارع الروايتين في ضعفها فان الامام أمير المؤمنين عليه السلام لم يسبق رسول الله ( ص ) في تسمية سبطه وريحانته وهو الذي أسماه بذلك حسب ما ذهب إليه المشهور وأجمعت عليه روايات أهل البيت ( ع ) . )).

وترى الدراسة ، ان اسمي حمزة وجعفر – كذلك - هما اسمان جاهليان – اطلقا في زمن الجاهلية ، قبل البعثة - فلا يمكن ان يسمى السبطان بهما حسب رأي القرشي السابق عن اسم حرب .

اذن: ماذا تبقى من الروايات؟

تبقى روايات:

1 – ان الرسول هو البادئ بالتسمية.

2 – ان الرسول (ص) اسماهم الحسن والحسين، لان هذين الاسمين أ ُمِر (ص) بهما من السماء ، او ان الحسين مشتق من الحسن.

3 – رواية عمران بن سليمان عن اسماء الجنة ، وانهما لم يسميا بهما احد في الجاهلية.

هذه هي الروايات التي لم يفندها القرشي ، ومعنى ذلك، انه وافق عليهما ، وهما اسماء في الجنة التي لم يسم احد بهما في الجاهلية.

ترى الدراسة:

- بالنسبة لمن اطلق التسمية : ترى ان النبي لم يطلق التسمية ،كونه (ص) يعرف ان من فرحة الاباء والامهات تسمية الابناء ، ولا اعتقد انه (ص) يريد ان يسلب هذه الفرحة من ابنته، ومن صهره، ابن عمه.

وكما فند القرشي روايات الاسماء(حرب وجعفر وحمزة) ، فمن الممكن ان نفند روايات تسمية الرسول (ص) لهما ، اعتمادا على الوضع الاجتماعي وقتذاك ،في ان التسمية من حق الاباء.

- لو افترضنا ان النبي (ص) هو الذي سمى السبطين، فأي الخبرين صحيح ؟ هل لان الاسمين قد أ ِمر بهما ؟ ام لان الحسين مشتق من الحسن؟

ولو عدنا الى الروايات التي تذكر ان اسمي – الحسن والحسين - قد اوحي بهما، ولم يطلقا سابقا في الجاهلية على احد ، فإن المصادر تذكر عكس ذلك.

تذكر المصادرما يلي:

(( "حَسِين":

في طَيِّئ: حَسِين، بفتح الحاء، بوزن، فَعِيل، مثل غريم.

حَسن، وحَسِين، ابنا عَمرو بن الغَوث بن طَيِّئ.)).(18)

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب بلالاً ويمازحه، فرآه يوماً وقد خرج بطنه فقال:أم حسين، وهي عظاية لها بطن بارز، وذكرها الحرباء)).(19)

بقول صاحب الاكليل:

(( أرحب بن الدعام:

وأولد أرحب وهو مرّة بن الدعام ومعنى أرحب أوسع في الشرف سفيان وعليان وملالة، ثلاثة نفر ومن يتبكل من الجبر يقولون: نحن بنو الجابر بن أرحب والورديون يقولون: نحن بنو الحسين بن الورد بن أرحب. والأشهر أن الجبر من حاشد، والورد من آل أقيان من حمير)) . (20)

كذلك هناك الشاعر الجاهلي الحسين بن محمد المنبجي المعروف بدوقلة ،وله قصيدة اولها :

هَــــــــل بِالطُــــلولِ لِسائِلِ رَدُّ أَم هَل لَها بِتَكَلُّم عَـــهدُ

أبلى الجَديدُ جَديــــــدَ مَعهَدِها فَكَأَنَّما هو رَيطَةٌ جُـــردُ

مِن طولِ ما تَبكي الغيومُ عَلى عَرَصاتِها وَيُقَهقِهُ الرَعدُ (21)

اما الحَسَن فهو: كثيب معروف في بلاد بني ضبة، كما جاء في المعاجم العربية.

***

وهناك بعض الكتاب من يذكر ان اسم (علي) هو كذلك لم يسم به احد قبل ميلاد الامام علي ، وقد اشتقه الله سبحانه من اسمه.

((وأسند الخطيب في تاريخه أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله : إن من لم يقبل أن عليا خير البشر ، فقد كفر ، وأسند فيه قول النبي صلى الله عليه وآله : خير رجالكم علي وخير شبابكم الحسن والحسين ، وخير نسائكم فاطمة عليها السلام ومسند إلى عقبة قول الجهني للنبي صلى الله عليه وآله : إن قوما يقولون : خير هذه الأمة أبو بكر ، وقوما عمر ، وقوما عثمان ، فمن خير الناس بعدك ؟ قال : من اختاره الله واشتق له اسما من أسمائه و زوجه أمته ، ووكل به ملائكته يقاتلون معه ، فذكر ذلك لأبي ذر ، فقال : و أزيدك ما سمعته من النبي صلى الله عليه وآله : فضل علي على هذه الأمة كفضل جبرائيل على سائر الملائكة .)). (22)

اما المصادر فتقول عكس ذلك:

جاء في الاشتقاق:

(( اشتقاق عَليٍّ من الصَّلابة والشِّدّة. قال ابنُ مُقْبل:

وكلّ عَليٍّ قُصَّ أسفَلُ ذَيلِه فشمَّرَ عن ساقٍ وأوظفةٍ عُجْرِ

وقد سمَّت العرب في الجاهلية عليَّاً: عليَّ بن بكرٍ، وعليَّ بنَ سُودٍ في الأزْد، وعليَّ بن مسعودٍ الغَسَّاني الذي تُنسب إليه بنو كنانة، لأنَّهم نَشَئوا في حِجْره وتزوَّج بأمِّهم. قال الشاعر:

ضَربوا عليَّا يومَ بدرٍ ضربةً دانَتْ لوقْعتها جميعُ نزارِ

وقال الثَّقَفي:

لله درُّ بني علـــــــــ ـيٍّ أَيَّمٌ منهمْ وناكحْ

وعليّ: أبو هَوذَة بن عليّ الحنفي، ويُكنَى أبا قدامة. وكانَ كنيةُ هَوذةَ الحنفيّ أبا عليٍّ، وكنيَة عامر بن الطفيل أبو علي، وكنية قيس بن عاصم أبو عليِّ وهم كثير. ويمكن أنْ يكون اشتقاق عليٍّ من العلوّ، من قولهم: علا يعلو علوّاً؛ فكأنَّ عليَّاً من ذلك. ويقال: عَلِيَ يَعلَى عَلاءٌ، إذا ظَفِر، وبه سمِّي الرجل يَعْلَى، إذا ظَفِر. والمعلَّى: السابع من قداح الميسر، وهو أكثرها نصيباً)).(23 )

وورد في (الايناس بعلم الانساب):

(( وفي بني ذُهْل بن ثَعلبة: ريَّان بن الحارث بن مالك بن شَيْبان بن سَدُوس بن ذُهْل بن ثَعلبة بن عُكابة بن صَعب بن علي بن بكر بن وائل)). (24)

وجاء في (السيرة النبوية):

يذكر ((أن أعشى بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإسلام فقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .(25)

ويذكر صاحب ( المختلف والمؤتلف من اسماء الشعراء) :

(( من يقال له الأعشى منهم أعشى بني قيس بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الشاعر المشهور المقدم، وكان أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي النحوي المعروف بنفطويه أملى علينا أسماء الأعاشي فذكر ثمانية منهم أعشى بني قيس بن ثعلبة)).(26 )

وجاء في (الحيوان):

(( ولو شاءَ النبيُّ صلى اللّه عليه وسلم ، ألاّ يكتبَ الكتبَ إلى كسرَى، وقَيْصَرَ، والنَّجَاشيِّ، والمقوقِس، وإلى ابني الجُلَنْدَى، وإلى العباهلة من حمير، وإلى هوذَة بن علي، وإلى الملوك)). (27)

وذكر صاحب الاغاني :

(( أما ذكره هوذة بن علي ولبسه التاج؛ فإن السبب في ذلك أن كسرى توج هوذة بن علي الحنفي، وضم إليه جيشاً من الأساورة، فأوقع ببني تميم يوم الصفقة)) .(28)

(( ومن بني عامر بن لؤي بن غالب بن فهر: سليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وهو كان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة)). (29)

وجاء كذلك:

(( قال بن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال بن إسحاق وحدثنيه أيضاً عن عبد الله بن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لي صديقاً بمكة وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين أسلمت عبدالرحمن ونحن بمكة فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سماكه أبواك فأقول نعم فيقول فإني لا أعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئاً أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الأول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال فكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه قال فقلت له يا أبا علي أجعل ما شئت قال فأنت عبد الإله قال فقلت نعم قال فكنت إذا مررت به قال فأنت عبد الإله قال فقلت نعم قال فكنت إذا مررت به قال يا عبد الإله فأجيبه فأتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع أبنه علي بن أمية آخذ بيده ومعي أدراع قد استلبتها فأنا أحلمها فلما رآني قال لي يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الإله فقلت نعم هل لك في فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك قال قلت نعم قال فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه )).(30)

وجاء في (الشعر والشعراء):

(( وكان عامر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: تجعل لي نصف ثمار المدينة وتجعلني ولي الأمر من بعدك وأسلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفني عامراً واهد بني عامر". فانصرف وهو يقول: لأملأنها عليك خيلا جرداً، ورجلاً مرداً، ولأربطن بكل نخلةٍ فرساً، فطعن في طريقه، فمات وهو يقول: غدةٌ كغدة البعير، وموتٌ في بيت سلوليةٍ!! ويكنى أبا علي )). (31)

وجاء كذلك:

(( وكان خداش يهجو عبد الله بن جدعان التيمي، ولم يكن رآه، فلما رآه ندم على هجائه.

فمما هجاه به قوله:

وأُنْبِئْتُ ذا الضَّرْعِ ابْنَ جُدْعـانَ سَبَّني وإِنِّي بِذي الضَّرْعِ ابنِ جُدْعانَ عـالِمُ

أَغـرَّكَ أَنْ كانَتْ لِبَطكَ عُكْنَةٌ وَأَنَّكَ مَكْفِيٌّ بِمَكَّةَ طــــــاعِمُ

وتَرْضَى بأَنْ يُهْدَى لَكَ العَفْلُ مُصْلَحاً وتَحْنَقُ أَنْ تُجْنَى عَلَيْكَ العَظـــــائِمُ

أَبَـى لـَكُمُ أَنَّ النُّفُوسَ أَذِلَّـــــةٌ وأَنَّ القِرَى عن واجِبِ الضَّيْفِ عـاتِمُ

وأَنَّ الحُلُومَ لا حُــــلُومَ، وأَنْتُمُ مِنَ الجَهْلِ طَيْرٌ تَحْتَها الماءُ دائِــــمُ

ولَوْلا رِجـــالٌ من عَلِيٍّ أَعِزَّةٌ سَرَقْتُمْ ثِيابَ البَيْتِ والبَيْتُ قائِـــــمُ

قال أبو محمد يقال لبني كنانة - بنو علي- )).(32)

وجاء في ( المختلف والمؤتلف من اسماء الشعراء):

(( ومنهم خفاف بن مالك بن عبد يغوث بن علي بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم أدرك الإسلام. شاعر فارس وهو القائل:

ولا عزنا يعدي على ظلم غيرنا وليس علينا للظلامة مذهب

نريح فضول الحلم وسط بيوتنا إذا الحلماء عنهم الحلم أعزبوا)). ( 33 )

(( عامر بن الطفيل: هو ابن أخي عامر ملاعب الأسنة أفرس أهل زمانه وأسودهم، وكان له مناد ينادي بعكاظ: هل من راجل فأحمله! أو جائع فأطعمه! أو خائف فأومنه! ووقف جبار بن سلمى على قبره فقال: أنعم ظلاماً أبا علي! فو الله لقد كنت تشن الغارة وتحمي الجارة، سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بوعيدك، وكنت لا تضل حتى يضل النجم، ولا تهاب حتى يهاب السيل، ولا تعطش حتى يعطش البعير! وكنت والله خير ما تكون حين لا تظن نفس بنفس خيراً! ثم التفت فقال: هلا جعلتم قبر أبي علي ميلاً في ميل(( . (34)

(( ذكر من اسمه علي:

علي بن زيد الفوارس بن حصين بن ضرار الضبي جاهلي. يقول في قتل حسين بن أصرم السيدي:

تركت السيد مهملة تناغي تناغي الضأن ليس لهن راع)) .(35)

وتذكر (الموسوعة الشعرية) – القرص الالكتروني المدمج - الشاعر الجاهلي خزر بن لوذان احد بني عوف بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكاب بن علي بن بكر بن وائل ويعرف بالمرقم الذهلي ، شاعر جاهلي من اليهود ،غير معروق الميلاد ولا الولادة .

* الهوامش:

1 - ترجمة الإمام الحسين (ع) - ابن عساكر - ص 33 – 34.

2 – المصدر السابق - ص 24 – 37.

3 - المصدر السابق - ص 24 – 37.

4 - الخصائص الفاطمية - الشيخ محمد باقر الكجوري - ج 2 - ص 569 – 570.

5 - مجمع النورين - الشيخ أبو الحسن المرندي - ص 160.

6 - موسوعة شهادة المعصومين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع) - ج 2 - ص 41 – 43.

7 - ترجمة الإمام الحسين (ع) - ابن عساكر - ص 28.

8 - المصدر السابق - ص 28 .

9 - القرص المدمج : الموسوعة الشعرية.

10 – القرص المدمج (اهل البيت).

11 – المصدر السابق.

12 – المصدر السابق.

13 – المصدر السابق.

14 – المصدر السابق.

15 - القرص المدمج : الموسوعة الشعرية.

16 – السيرة النبوية – ابن هشام - ص 2416 .

17 – الوافي بالوفيات – صلاح الدين الصفدي- ص 11288 .

18- الايناس: 95– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

19- ربيع الابرار – الزمخشري– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية.

20- الاكليل– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

21– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

22 - مركز المصطفى (ص) - ص الصحيح من السيرة للسيد مرتضى ج 2 ص 192- الصراط المستقيم علي بن يونس العاملي ج 2 ص 69.

23- الاشتقاق– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

24- الايناس بعلم الانساب– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

25- السيرة النبوية– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

26- المختلف والمؤتلف من اسماء الشعراء– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية.

27– الحيوان– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

28- الاغاني : – القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية ص11532.

29- السيرة النبوية– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

30- المصدر السابق– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

31- الشعر والشعراء– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

32- المصدر السابق– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

33- المختلف والمؤتلف من اسماء الشعراء– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية

34- المستقصى من امثال العرب– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية.

35- معجم الشعراء – المرزباني – 245 وما بعدها– القرص الالكتروني المدمج -الموسوعة الشعرية .

1/2/2007

الأربعاء، 17 أغسطس 2011

ليس دفاعا عن المرأة

ليس دفاعا عن المرأة

داود سلمان الشويلي

(( إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول))

الحديث الذي ستتطرق له هذه الدراسة ، حديث متنازع عليه ، بين ان يكون حديث نبوي ، وبين ان يكون للامام علي بن ابي طالب ، او من منقولاته.

ذكر الحديث في اكثر من مصدر ، فقد ذكر في (صحيح البخاري - ج 1 - ص 78) كما يلي نصه :

((خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن فانى أريتكن أكثر أهل النار فقلن وبم يا رسول الله قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قلن بلى قال فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن بلى قال فذلك من نقصان دينها )).

وذكر (صحيح مسلم - ج 1 - ص 61) النص التالي للحديث:

((عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فانى رأيتكن أكثر أهل النار فقالت امرأة منهن جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن قالت يا رسول الله وما نقصان العقل والدين قال اما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلى وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين )).

وورد عند الزيدية كذلك كحديث نبوي. راجع ( شرح الأزهار - الإمام أحمد المرتضى - ج 1 حاشية ص150).

فيما جاء في ( نهج البلاغة - ج 1 - ص 129):

(( ومن خطبة له عليه السلام بعد حرب الجمل في ذم النساء معاشر الناس إن النساء نواقص الإيمان نواقص الحظوظ نواقص العقول . فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن . وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال . وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد . فاتقوا شرار النساء . وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر )).

ربما جاء ذكر الحديث النبوي في خطبة الامام ، رواية عن النبي ،لا كحديث اصيل له كما اراد ان يقول السيد محمد حسين فضل الله في اجابة له لمن سأله عن مضمونه فقال :(هذا النص منقول عن الإمام علي في نهج البلاغة ، وكنت أناقش هذا النص على أساس أنه في ظاهره لا يمكن أن يلتقي بما نعرفه من المفهوم الإسلامي الذي تعلمناه من الإمام علي "ع ").

و كذلك ما اقره السيد جعفر مرتضى في كتابه (خلفيات كتاب مأساة الزهراء ع - ج 5 ص 31 )، بقوله (حديث الإمام علي "عليه السلام ").

وان كان الحديث للنبي (ص) او للامام علي ، او من منقولاته ، فان مضمونه ومن ثم معانيه ودلالاته ، تحط من المرأة ، أي امرأة .

فالنبي (ص) يخاطب (النساء / جمع امرأة) في حديثه ذاك ، وهذه اللفظة عامة وغير مخصصة لنساء المسلمين ، اذن، الحديث يشمل النساء كافة ، مسلمات وغير مسلمات ، عربيات وغير عربيات ، وفي أي زمان ومكان، فكل النساء – حسب هذا الحديث – ناقصات عقل ودين وحظ.

نتساءل: هل حقيقة ان هذا الحديث قد صدر عن النبي (ص)؟ ام انه من الموضوعات لاسباب كثيرة ؟

الجواب نجده في تحليل قدمه سماحة الامام الشيخ حسين المؤيد للحديث ، وهو تحليل علمي موضوعي ، وقد خرج سماحته بنتيجة مفادها "ضرب هذا الحديث بعرض الحائط".

***

ففي جواب لسماحته لمقدم برنامج ( أطراف الحديث على قناة الشرقية) الذي سأل عن هذا حديث ، قال:

(( حديث " النساء ناقصات عقل و دين " اذا وضع على طاولة التمحيص و التدقيق فانه لا يثبت و لا يكون واجداً لشروط الاعتبار و الحجية حتى لو كان له بحسب الظاهر سند معتبر , لان متنه مخالف لحقائق الشرع و العقل و الواقع .

و لبيان ذلك نأتي لدراسة متن الحديث وَ هو يصف النساء بالنقص في جانبي العقل و الدين و لندرس هذين الجانبين .

أما في جانب العقل , هل النساء ناقصات عقل ؟ و هل ينسجم هذا الوصف مع قطعي القرآن و العقل و الواقع ؟

الجواب بالسلب . فهذا الوصف لا ينسجم بحال مع قطعي القرآن الكريم و لا مع قطعي العقل و لا مع الواقع .

أما عدم انسجامه مع قطعي القرآن الكريم فلأنه يتصادم مع قوله تعالى " لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم " و هذه الآية الكريمة واضحة في أن الانسان بما هو انسان و بغض النظر عن كونه ذكراً أو أنثى قد خلق على أحسن خلق في الإعتدال و التركيب من حيث الشكل و من حيث العقل و النفس و من الواضح أن عقل النساء اذا كان ناقصاً لم يكن خلقهن على أحسن تقويم اذ ينثلم جانب الاعتدال في العقل , بينما الآية الكريمة و التي جائت جواباً لقسم تصرح و تؤكد على الإعتدال في خلق الإنسان و على أنه أحسن درجات الإعتدال .

و كذلك قوله تعالى " يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم . الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك " فهذه الآية الكريمة أيضاً تصرّح بان الانسان بما هو انسان و بغض النظر عن كونه ذكراً أو انثى قد خلقه الله تعالى سوياً معتدلاً و هذا يعني نفي النقص في خلق الإنسان , و هو لا ينسجم مع وصف النساء بنقص العقل اذ نقص العقل لا يتماشى مع وصف خلق الإنسان بالسوي المعتدل .

و هكذا يتضح ان المضمون القرآني القطعي يدل دلالة واضحة على ان الانسان ذكراً و انثى خلق سوياً و على أحسن وجوه الخلق في الإعتدال , و هذا المضمون يصطدم مع وصف عقل المرأة بالناقص , فيكون متن الحديث منافياً لقطعي القرآن و يسقط عن الأعتبار .

و أما مخالفة متن الحديث لقطعي العقل , فلأن أسس التفكير العقلي و إطاره واحد في الذكر و الانثى . فالعقل اما أن يكون عقلاً نظرياً , و اما أن يكون عقلاً عملياً . و العقل النظري هو الذي يدرك ما هو كائن , و العقل العملي هو الذي يدرك ما ينبغي أن يكون . و المادة الأصلية لمدركات العقل النظري واحدة في الذكر و الانثى فالمعقولات الاولية للعقل البشري و التي هي الأساس في توالد الأفكار و تكوين الإستنتاجات واحدة في الذكر و الانثى و هذه الحقيقة قطعية في الفلسفة و نظرية المعرفة فلا تفاوت بين الذكر و الأنثى في إدراك المعقولات الأولية فما هو أولي في الذكر موجود في الأنثى ايضاً سواء بسواء و عليه لا تفاوت بين الذكر و الانثى في المصدر الرئيسي للمعرفة . و كذلك الأمر في المعقولات الثانوية , فان ادراك العقل لهذه المعقولات لا يتفاوت بين الذكر و الانثى , و أما التوالد الفكري فما يبتني على المعرفة الإكتسابية يخضع للجهد الذي يبذله الانسان في تنمية المعارف و لا يرتبط بالذكورية و الانثوية , و ما يبتني على التوالد الفكري فالقوة العقلية ايضاً واحدة في الذكر و الانثى , و عقل الانثى يشكل الأقيسة المنطقية كعقل الرجل سواء بسواء . اذن النقص في العقل الذي لا يعود الى الإكتساب المعرفي غير موجود في الانثى اطلاقاً لكونها مع الذكر سواء في أسس التفكير العقلي وآلياته .

أما العقل العملي فمدركات العقل العملي واحدة في الذكر و الانثى و هي مدركات مودعة في العقل البشري بما هو عقل بشري فلا تفاوت بين الذكر و الانثى في ادراك الحسن و القبح العقليين.

اذن قوة الادراك التي تشكل أساس التفكير البشري و اطاره سواء في جانب الادراك النظري أو في جانب الادراك العملي متساوية و واحدة في الذكر و الانثى , و أما تنمية المعرفة فهو يرجع الى أمر إكتسابي و ليس الى أمر ذاتي . و هذا يعني أن وصف عقل المرأة بالنقصان يصطدم مع قطعيات العقل , فعقل المرأة في ما يرجع الى الكمال الذاتي للعقل هو على حد عقل الرجل و لا نقصان فيه .

اذن متن الحديث ينافي قطعي العقل . و أما مخالفته للواقع , فانّ الواقع يشهد انّ المرأة لا تختلف عن الرجل في سلامة التفكير ذاتا و الانسان ابن بيئته فحينما تكون المرأة في بيئة تساعدها على النمو المعرفي و الثقافي فإنها تتصف حينئذ برجاحة العقل , و قد تتفوق على الذكر , و حينما لا تتهيأ للانسان مثل هذه البيئة فان الذكر يصاب بضعف التفكير و قصوره .

و الشواهد عصية على الإحصاء في هذا المجال لكن خذ مثلاً امرأة فرعون فهل يعقل أن تكون امرأة فرعون بايمانها و تصديقها الاعتقادي ناقصة عقل بالمقايسة الى فرعون نفسه ؟

وَ خذ بلقيس ملكة سبأ التي فاقت برجاحة عقلها عقل مستشاريها من الرجال و قد ظهر تفوقها العقلي و برزت رجاحة عقلها في عدة أمور و مواقف :-

لجوؤها الى الشورى و عدم استبدادها في أخذ القرار , و هذا يدلل دون أدنى شك على رجاحة عقلها و سلامة تفكيرها و سمو نظرها و حسن معرفتها و تقديرها .

قوة تفكيرها في مناقشة الرأي الذي عرض عليها فقد قيل لها " نحن أولوا قوة و أولوا بأس شديد " فكان جوابها " ان الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها و جعلوا أعزة أهلها أذلة و كذلك يفعلون و اني مرسلة اليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون " فكان عمق تفكيرها و قوة رأيها و تقديرها للأمور أجود من الآخرين و فيهم ذوي الوزن الثقيل من الذكور .

ذكاؤها في جوابها لسليمان حينما نكروا لها عرشها و سألها سليمان " أهكذا عرشك " قالت " كأنه هو " و في هذا الجواب قدر كبير من الذكاء و جودة الذهن .

فهمها العالي الذي أوصلها الى الإيمان و أخرجها من الكفر بعيداً عن العناد و اللجاجة والإنفعالية في التفكير , قالت : " ربي اني ظلمت نفسي و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين " .

فهل يمكن أن توصف بلقيس بانها ناقصة عقل , و هل ينطبق عليها هذا الوصف أم على مستشاريها من الرجال في مقام المقايسة ؟

ثم إن متن الحديث ذكر بياناً لوجه نقصان عقل المرأة هو ان شهادتها بنصف شهادة الرجل , و البعض ذكر أن هذا الأمر جيء به كوجه من وجوه نقصان عقل المرأة , و ذكر آخرون انه هو الوجه الذي علل به نقصان عقل المرأة . و على كلا التقديرين هل يدل ذلك على نقصان عقل المرأة ؟

اذا دققنا في القضية سنصل الى أن هذا الأمر لا علاقة له بنقصان عقل المرأة ابداً .

إن الشهادة و التي هي عبارة عن الاخبار عن حس فيها جانبان :-

الاول :- يرتبط بتحمل الشهادة .

الثاني :- يرتبط بأداء الشهادة .

و لنأت الى الجانب الذي يرتبط بتحمل الشهادة , فحيث أن الشهادة اخبار عن حس , فهذا يعني أن المطلوب في تحملها هو الإدراك الحسي , و هو ما يكون بالحواس , و من الواضح الذي لا يختلف فيه اثنان انّ حواس المرأة كحواس الرجل سواء بسواء فليست باصرة المرأة من حيث هي إمرأة بأضعف من باصرة الرجل من حيث هو رجل , و ليست سامعة المرأة من حيث هي إمرأة بأضعف من سامعة الرجل من حيث هو رجل . و كذلك لا تفاوت في التصورات العقلية الأولية بين ذهن الرجل و ذهن المرأة حيث أن انطباع صور الأشياء في الذهن من خلال الحواس هو على حد واحد في الرجل و المرأة . اذن في مقام تحمل الشهادة لا تفاوت في الإدراك الحسي للوقائع .

و أما جانب أداء الشهادة فهو لا يرتبط بالتحليل العقلي للوقائع لان المطلوب في باب الشهادة ليس تحليل الشاهد للقضية المترافع عليها , و انما المطلوب هو الاخبار عما أدركه بالحس , أي الاخبار عن التصور العقلي الأولي للذهن و هو واحد في الذكر و الانثى كما تقدم.

و أما عنصر الذاكرة و الحفظ كعملية من عمليات الذهن البشري فهل كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل يقوم على أساس ان قوة الحفظ و الذاكرة في عقل المرأة أضعف منها في عقل الرجل ؟

الصحيح أنه لا يقوم على ذلك , و الدليل عليه ما يلي :-

أن كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل لو كان يبتني على ذلك فكيف يطلب ضم شهادة امرأة اليها اذ المفروض انها مثلها في قوة الذاكرة و الحفظ , و بعبارة أخرى سيكون المطلوب هو ضم من فيه نقص الى من فيه نقص , فهل يمكن لمن هو في ذات درجة النقص العقلي أن يكمل من هو على ذات الدرجة من النقص . اذ المفروض أن قوة الذاكرة في النساء متماثلة في درجة النقص .

اذا كان يقوم اشتراط التعدد في شهادة النساء على أساس ان احدى الشاهدتين تذكر الأخرى فيما لو نسيت فلماذا لا يكون الرجل الذي يشهد مع المرأة مذكراً لها ما دام ان الكل يشهد على الواقعة نفسها و ان الشهادة هي محض أخبار حسّي لا تدخل فيه عوامل أخرى تقوم على التحليل العقلي و ما دام يفترض الصدق و العدالة في كل الشهود ؟

ان المقرر في القضاء هو عدم اشتراط جمع الشهود مع بعض عند أداء الشهادة , و انما يمكن للقاضي أن يسمع شهادة الشهود على إنفراد و هذا يعني ان التعدد في شهادة النساء لا يقوم على أساس التذكير لنقصان في قوة ذاكرة المرأة .

أن الذاكرة قد ترتبط بعوامل تؤثر فيها قوة و ضعفاً فمن عامل الزمن الى عامل السن الى الظروف التي يعيشها الشاهد .

فلماذا لا تؤخذ هذه العوامل بنظر الاعتبار في الرجل ؟

و لو كان التعدد في شهادة النساء مبنياً على قضية قوة الذاكرة للزم الأمر أخذ هذه العوامل في الرجل , اذ في مقام التفاضل قد تكون ذاكرة الأنثى الشابة التي تعيش في ظروف حياة طبيعية أقوى من ذاكرة رجل مسن أو رجل يعيش في ظروف قد تجعل باله مشغولاً و مستهلكاً فيها .

إن أخذ هذه النقاط بنظر الاعتبار يجعل بناء التعدد في شهادة النساء على قضية ضعف الذاكرة أمراً بعيداً ان لم يكن خاطئاً .

انّ النتيجة التي نريد الوصول اليها هي أن اشتراط التعدد في شهادة النساء و قيام شهادتين للنساء مقام شهادة للرجل لا يرتبط بنقصان العقل . و هذا يعني أن في متن الحديث الذي يربط بين ذلك و نقصان العقل خللاً يفتح ثغرة تسقطه عن الإعتبار .

و لك أن تسأل :- أوليس هذا الربط منتزعاً من القرآن الكريم و يدل عليه قوله تعالى { و استشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل و أمرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى } ؟

و الجواب :-

أولاً :- انّ الآية الكريمة لم تربط ذلك بنقصان عقل المرأة بينما متن الحديث يصرح بهذا الربط و معنى ذلك أنّ هذا الربط الذي يصرح به متن الحديث لا علاقة له بالآية الكريمة و لا يصح إنتزاعه منها .

ثانياً :- أن ربط قيام شهادة امرأتين مقام شهادة الرجل لا يصح اساساً ربطه بعقل المرأة و لا اشارة فيه الى ذلك لا من قريب و لا من بعيد فمن جهة دلت آيات القرآن الكريم و المرتبطة بخلق الإنسان على خلقه سوياً لا خلل فيه و لا نقص ذكراً كان أو أنثى كما تقدم , و من جهة ان مثل هذه الأحكام لا تتصل بقضايا ذاتية بالمعنى الفلسفي , فكما انّ القصاص في القتلى يقوم على أساس ان الانثى بالانثى و ليس الرجل بالانثى , و كما أن دية المرأة هي على النصف من دية الرجل دون أن ترتبط هذه الأحكام بكون المرأة أقل قدراً من الرجل أو منزلة أو إنسانية و في الكرامة الانسانية بل و في القيمة الانسانية , و قد دلت على ذلك بصراحة ووضوح آيات عديدة في االقرآن الكريم , كذلك شهادة المرأة و كونها نصف شهادة الرجل لا ترتبط بعقل المرأة إطلاقاً و قد دل على ذلك العقل و النقل .

و أما في جانب الدين فقد علل متن الحديث نقصان النساء في دينهن بقعودهن أيام حيضهن عن الصلاة و الصيام .

و في هذه أوجه من الخلل :-

1- ان قعود المرأة عن صلاتها و صومها أيام حيضها لم يكن الا بامر من الله تعالى , فكيف يشرّع الله تعالى للمرأة ما يعيبها عليه عند إمتثالها له , و كيف يعيبها على ما شرعه عز و جل لها و التزامها به ؟

2- إن النقص في الدين لا يكون الا من حيث التقصير في الطاعة , و هي لم تقصر في طاعته عز وجل , بل انها امتثلت أمره تعالى بقعودها هذا فكيف يعد ذلك نقصاناً في دينها ؟

3- كيف يفهم نقصان الدين ؟ فحين تقول عن شخص بان دينه ناقص , فانت اما أن تقصد تقصيره في التزامه الديني من حيث امتثال احكام الله تعالى , أو قصوره عن أهلية توجيه الامر اليه . و هذا القصور إما ناشئ منه هو و بسبب منه أو ناشئ من أمر خارج عن إرادته و إختياره . فان كان تقصيراً في الامتثال فالتقصير في الامتثال منقصة في الدين لكنه لا ينطبق على المرأة الحائض لانها لم تقصر في طاعة الله تعالى بل إمتثلت امره عز و جل بقعودها عن الصلاة و الصوم أثناء حيضها . و ان كان قصوراً ناشئاً بسبب من الشخص نفسه فهذا قد يكون منقصة في الدين أيضاً لكنه لا ينطبق على المرأة الحائض أيضاً لانها لم تتسبب في قعودها عن الصلاة و الصيام . و ان كان قصوراً لسبب خارج عن ارادة الانسان فهو لا يعد نقصاً في الدين , و منه قعود المرأة الحائض عن الصلاة و الصوم , فان قصورها عن أهلية توجيه الأمر بالصلاة و الصوم اليها انما هو بسبب أمر خارج عن ارادتها و اختيارها , فلا يمكن أن يعد نقصاً في دينها .

4- ان قعود المرأة عن الصلاة و الصيام أثناء حيضها لو كان نقصاً في دينها , للزم أن يكون الرجل ناقص الدين اذا كان معذوراً عن اداء الصيام لعجز أو مرض و قد يكون كذلك طيلة عمره , و للزم أن يكون الرجل المصاب بغيبوبة تعيقه عن أداء الصلوات ناقص الدين . و للزم أن يكون كل سبب يؤدي الى عجز الرجل عن إمتثال حكم من أحكام الله تعالى موجباً لنقص دينه , فلماذا يفترض في المرأة ما لا يفترض في الرجل ؟

و هل يمكن أن يكون فاقد الطهورين أفضل حالاً من المرأة الحائض ؟ فان فاقد الطهورين اما لا تصح منه الصلاة فيسقط عنه الأداء و يجب عليه القضاء , و على قول آخر يسقط القضاء عنه ايضاً , و اما انه تجب عليه الصلاة و يسقط شرط الطهارة , و على كل هذه التقادير كيف يكون فاقد الطهورين أفضل حالاً من المرأة الحائض التي سقطت عنها الصلاة بأمر من الله تعالى .

و هكذا نصل الى أن وصف المرأة بنقصان الدين لقعودها عن الصلاة و الصيام أثناء حيضها أمر لا يستقيم مع أي منطق سليم عقلي أو شرعي .

و هذا يعني أن متن الحديث لا يتصف بالحجية بناءً على الثغرات الموجودة فيه , و اذا كان قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم فلا يمكن أن يكون محمولاً على الجد و انما يمكن أن يكون قد صدر على سبيل المزاح و أن رسول الله صلى الله عليه و على آله و سلم لم يكن يقصد منه بيان مفهوم ديني اجتماعي و انما قصد منه التندر و المزاح كشيء اقتضته طبيعة المناسبة حيث انه صلى الله عليه و على آله و سلم قاله و هو يمر على النساء في يوم عيد و هو يوم فرح و إنشراح . و قد يقوّي هذا المعنى – أي انه ذكره على سبيل التندر و المزاح – قوله ما رأيت من ناقصات عقل و دين أذهب بلب الرجل الحازم من احداكن , فهو عليه الصلاة و السلام لا يشير بذلك الى مفهوم ديني و انما الى ما يدهش من تأثير النساء السحري على الرجال , فذكر عليه الصلاة و السلام نقصان العقل و الدين على سبيل التندر و مقتضيات المزح , و لذا علله بأمور لا تصلح أن تذكر كعلل جادة , و لكن يمكن أن تذكر كعلل يقتضيها مقام المزاح و التندر . و من هنا لا يبنى على هذا الحديث مفهوم اسلامي عن المرأة و لم يصدر هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة و السلام كنبي و مشرّع , و انما صدر منه في حديث شخصي كسائر الاحاديث الشخصية التي لا علاقة لها بالتشريع و لا ببيان المفاهيم الدينية )).

واخيرا يقول سماحته : (حديث ضعيف ويصطدم مع حقائق الشرع ويضرب به عرض الجدار وهو دخيل على الاسلام.)

بهذا التحليل العلمي الموضوعي دون ان يخرجه من الاصول الالهية والذي حرصت على نقله كاملا ، هل يمكننا ان ندعي ان المرأة تعيش بعقل ناقص،وانها مخلوق اعوج ؟

الحسن والحسين - مسلسل تلفزيوني يزيف التاريخ (*)

الحسن والحسين

مسلسل تلفزيوني يزيف التاريخ (*)

داود سلمان الشويلي

عرضت قناة بغداد الفضائية – ابتداء من اول يوم رمضان – مسلسل (الحسن والحسين) وهو من تاليف محمد المساري و محمد العميان ، واخراج عبد الباري ابو الخير، والاستشارة الشرعية والتاريخية كانت للشيخ حسن الحسيني.

بداية تؤكد هذه السطور على الامور التالية:

1 – من خلال عرض المسلسل ، يتبين للمشاهد ان هدف القائمين على انتاجه هو هدف وحدوي بين المسلمين ، وبيان مدى قوة الاخوة بين ال البيت والصحابة.

2 – ان مؤسسة تشريعية عراقية عليا (البرلمان العراقي) طالب هيئة الاعلام العراقية منع عرض هذا المسلسل في أي قناة عراقية بهدف – ايضا – وحدوي بين المسلمين العراقيين ، وقد قامت الهيئة وبسرعة البرق بالمنع دون فحص المسلسل والافكار التي يحملها.

بالنسبة الى ثانيا اعلاه، فان الدستور (!!!) يعطي لحرية الاعتقاد قيمة عليا ، ويحميها ، وفي الوقت نفسه ،لا يقبل أي عراقي ان يكون البرلمان مؤسسة رقابية مانعة لاي عمل فني او ادبي او تاريخي ما لم يمس الثوابت الوطنية ، وما لم يؤكد هذا المنع الادلة الكافية ، فضلا عن انه ليس من واجباته القيام بذلك، بل هذا من صميم واجبات هيئة الاعلام العراقية.

اما بالنسبة الى اولا ، وعلى الرغم من الهدف السامي المفترض للقائمين على انتاج المسلسل ، وما تحمله الرؤية الفنية الخاصة بكتابته ، فان هناك تشويشا وعدم وضوح للافكار والمواقف المطروحة فيه، وكذلك ، هناك تزييفا لما جاء في اكثر المصادر التاريخية – عند كل المسلمين - من روايات حول الحوادث التي قدمها المسلسل.

وعن تشويش وضبابية وعدم وضوح الافكار والمواقف الفكرية المبنية على موقف اصحاب الجمل - على سبيل المثال - ، خاصة موقف الزبير بن العوام ، أذ تبين ذلك من قوله انه خرج للاصلاح مرة، وبين قوله انه قد خرج لمقاتلة قتلة عثمان مرة اخرى، مع العلم ان مقاتلة قتلة عثمان حسب الشرع الاسلامي هو امر خارج عن يده ويد جماعته او أي شخص اخر ، لان ذلك من واجبات الخليفة ، ولي الامر، وليس من واجب الاشخاص بدون امر الخليفة وولي امر الامة، وهي القضية التي حاول ان يسوقها المسلسل ، في ان خروج اصحاب الجمل كان للاصلاح ، كما روجت قناة فضائية تبث من لندن اكثر من مرة هذه الافكار التي كانت متبناة من قبل بعض المسلمين ، مع العلم انه لا يستقيم الخروج على الخليفة والاقتصاص من قتلة عثمان من قبل اشخاص غير مخولين – شرعا - بذلك ، التي قسمت القبائل الاسلامية في البصرة خاصة ،الى قسمين (كما اخبرنا المسلسل عن قبيلة بني سعد على سبيل المثال) ، ومقولة الاصلاح. (1)

اما بالنسية لتزييف التاريخ ورواياته (2) ، فعلى سبيل المثال : رمي اليهود (ممثلهم ابن سبأ) بالقيام بالفتنة (مقتل عثمان ، ومن ثم معركة الجمل) فقط،وهذا ما يؤكد لمن شاهد المسلسل على ان الاسلام من السهولة ان يمنى بالفتن من قبل اشخاص معدودين ، اضافة لتقديمه لبعض من اعتمد عليهم الخليفة علي ابن ابي طالب في جيش الخلافة على انهم متهمون يمقتل عثمان(كالاشتر ، ومحمد بن ابي بكر) ، وهي في الاعمال الدرامية لها دلالة كبيرة.

فضلا عن ذلك ، فقد تجاوز المسلسل الكثير من الامور الموثقة تاريخيا عن تفاصيل معركة الجمل، وتجاوزه ايضا للحوارالذي دار بين الخليفة علي بن ابي طالب و الزبير ، ورجوع الزبير عن رأيه ،منا روتها المصادر، وامور كثيرة طمسها المسلسل.

وكذلك ،تجاوزه حادثة رفع المصاحف من قبل جيش معاوية في صفين والتي سببت في شق جيش الخليفة وخروج الكثير منه وتكوين جماعة سميت بالخوارج ، واكتفى – المسلسل - برسالة موجهة من معاوية الى علي بن ابي طالب تطلب الاحتكام الى كتاب الله ، والرسالة لم تذكرها المصادر التاريخية كافة وانما ذكرت حادثة رفع المصاحف على اسنة الرماح من قبل جبش معاوية .

وايضا ، فان ما اراد المسلسل تسويقه للمشاهدين :هو ان الفئة الباغية – حسب قول النبي (ص) لعمار - التي قتلت عمار بن ياسر – حسب قول معاوية - هي جماعة الخليفة علي بن ابي طالب الذين قاتل في صفهم.

لقد كان التزييف لروايات التاريخ وطمس البعض ، والتشويش وعدم وضوح الافكار واضحا لمن قرأ مصادر ومراجع تاريخ تلك الفترة الاسلامية كافة.

---------------------------

* كتبت هذه الملاحظات عن الحلقات الثلاثة عشر التي بثت فقط ، قبل الايقاف.

1 – ناقشت ذلك في دراسة سابقة بعنوان: (مع الحلقة الاولى من برنامج تاريخ الامم " قصة عام الجماعة واسرار الصلح بين الحسن ومعاوية" - اعادة تكوين عقل المسلم -، وهو البرنامج الذي قدمته تلك القناة في رمضان سابق ، وقد نشرت الدراسة في اكثر من موقع الكتروني.

2 – نشرت على اكثر من موقع الكتروني دراسة عن مسلسل (يوسف الصديق ) بعنوان : (يوسف الصديق - مسلسل تلفزيوني ايراني يبتعد عن النص القرآني ليبشر بدولة اسرائيل ) ناقشت فيها – ايضا – كيف زيّف كاتب المسلسل الكثير من الروايات التاريخية الصحيحة لاسباب كثيرة.

‏17‏/08‏/2011

الاثنين، 8 أغسطس 2011

الثقل الابداعي للقصيدة العربية

الثقل الابداعي للقصيدة العربية

داود سلمان الشويلي

كثيرا ما نقرأ القصيدة – أي قصيدة – وتعجبنا أي اعجاب فنسأل انفسنا ، او لنقل ذائقتنا النقدية ، او ذائقتنا الاعجابية ، ما الذي اعجبنا فيها ؟ فيأتي الجواب – ربما – سريعا: انه البيت الفلاني او الفكرة الفلانية او ما فيها – جميعا – من نظرة مأساوية او مفرحة ، او ... الخ .

ومن الاجابات السريعة : اعجبتني . افرحتني . احزنتني . او حركت في نفسي (كذا) من المشاعر . اجابات كثيرة ، الا انها عامة .

ان السطور السابقة ليست من باب وضع نظرية خاصة لما يسمى في النقد الحديث (استجابة القاريء) ولا هي اجابة لسؤال : كيف تتذوق الشعر؟ وانما هي استجابة لسؤال طرحته على ذائقتي النقدية ، هو : ماذا اعجبك بقصائد الفرزدق وجرير ونزار قباني هذه ؟ ولهذا كتبت هذه السطور ،

ان ما كتبته هنا اسميته (الثقل الابداعي للقصيدة ) أي لو وزنا القصيدة فأننا سنجدها مبنية على بيت واحد او بيتين دارت حوله فكرة –افكار- القصيدة بأجمعها ، وارى ان الذي دعانا للاعجاب بهذه القصيدة او تلك ، ودون شعور ، هو هذا البيت ، اما القصيدة فهي عبارة عن ابيات جاءت تحف بهذا البيت ، او تدور حوله ، او كانت تنوعا لصوره .

***

جرير والفرزدق:

هما شاعران معروفان ، ومهما كتبت عنهما لا افيهم حقهما ، الا انني اذكر :

جرير:

(28 - 110 هـ / 648 - 728 م)

هو: جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر الكلبي اليربوعي، أبو حزرة، من تميم.

أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفردق والأخطل. كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.(1)

***

الفَرَزدَق:

(( ...(38 - 110 هـ / 658 - 728 م).

هو :همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس.

شاعر من النبلاء، من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة.

وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل، ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر. كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، يحمي من يستجير بقبر أبيه.

توفي في بادية البصرة، وقد قارب المئة .)).(2)

وقال الفرزدق: ((أنا عند الناس أشعرُ العرب، ولرُبَّما كان نزْعُ ضِرسٍ أيسرَ عليَّ من أن أقول بيت شعر )).(3)

لقب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه. ومعنى الفرزدق ((جمع فرزدقة وهو قطع العجين غير مخبوزة ويقال بل الرغيف فرزدقة ويقال إنه فتات الخبز.)).(4)

وجاء في(الحلل في اصلاح الخلل في كتاب الجمل):

((واختلف كلام ابن قتيبة في تلقيبه بالفرزدق:

فقال في أدب الكتاب: الفرزدق: قطع العجين، واحدها فرزدقة، وهو لقب له؛ لأنه كان جهم الوجه.!

وقال في كتاب طبقات الشعراء: إنما لقب بالفرزذق لغلظه وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء، وهي الفرزدقة.

والقول الأول أصح؛ لأنه كان أصابه جدري في وجهه، ثم برئ منه، فبقى وجهه جهماً)).(5)

***

قالوا عن الفرزدق :

قال صاحب(الاغاني)

(( قال ابن سلام: وقال ابن دأب: الفرزدق أشعر عامةً وجرير أشعر خاصةً. وقال أبوعبيدة: كان أبو عمرو يشبه جريراً بالأعشى، والفرزدق بزهير، والأخطل بالنابغة، قال أبو عبيدة: يحتج من قدم جريراً بأنه كان أكثرهم فنون شعر، وأسهلهم ألفاظاً، وأقلهم تكلفاً، وأرقهم نسيباً، وكان ديناً عفيفاً. وقال عامر بن عبد الملك: جرير كان أشبههما وأنسبهما.

ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني: قال خالد بن كلثوم: ما رأيت أشعر من جرير والفرزدق)).(6)

وقال(( النُّميري:

يا صاحِبيّ دنا الرّواح فسِيرا غَلَبَ الفَرَزْدَقُ في الهجاءِ جريرا)).(7)

وقال المبرد : ((وقيل لبشر بن مروان: أيُّما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال: والله ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثاً، قال: أجرير أم الفرزدق؟ فقال: إن جريراً سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعي يقول: قال أبو عمرو بن العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبي عمرو. ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن جريراً والله لشاعر، قال لها: أتُقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على حُلوه وشاركك في مُرّه. وسئل ابن دأب عن جرير والفرزدق فقال:

الفرزدق أشعر عامة وجرير أشعر خاصة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل: أنا أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. )).(8)

***

القصيدتان :

1- قصيدة جرير:

هي قصيدة رثاء ، يرثي زوجته (( خالدة بنت سعيد بن أوس بن معاوية بن خلف بن بجاد بن معاوية بن أوس بن كليب، وهي أم حزرة وكان جرير يسمي هذه القصيدة الجوساء - وقيل الحوساء - لذهابها في البلاد.)). (9)

لولا الحياء

جرير يرثي امرأته أمّ حَزْرة:

لولا الحياءُ لـــــهاجَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ

وَلَقَد نَظَرتُ وَما تَمَتُّعُ نَظــــرَةٍ في اللَحدِ حَيثُ تَمَكَّنَ المِحفارُ

فَجَزاكِ رَبُّكِ في عَشيرِكِ نَظــرَةً وَسَقى صَداكِ مُجَلجِلٌ مِدرارُ

وَلَّهتِ قَلبي إِذ عَلَتني كَــــبرَةٌ وَذَوُو التَمائِمِ مِن بَنيكِ صِغارُ

أرعَى النُّجومَ وقد مضتْ غَورِيَّةٌ عُصَـبُ النُّجوم كأنَّهنَّ صِوارُ

نِعمَ القَرينُ وَكُنتِ عِــلقَ مَضِنَّةٍ وارى بِنَعفِ بُلَيَّـــــةَ الأَحجارُ

عَمِرَت مُكـَرَّمَةَ المَساكِ وَفارَقَت مـــــــا مَسَّها صَلَفٌ وَلا إِقتارُ

فسقَى ثرَى جدثٍ ببُرقة ضاحكٍ هـــــزِمٌ أجشُّ وديمةٌ مـــِدرارُ

هَزِمٌ أَجَــشُّ إِذا اِستَحارَ بِبَلدَةٍ فَكَأَنَّما بِجِوائِها الأَنـــــــــــهارُ

متراكب زجِـلٌ يُضيءُ وميضُهُ كالبُلقِ تحت بطونها الأمـهارُ

كانتْ مُكارمةَ العَشير ولـم يكنْ يخشَى غوائلَ أمّ حَزْرةَ جـارُ

ولقد أراكِ كُسيتِ أجــملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقــــارُ

وَالريــــحُ طَيِّبَةٌ إِذا اِستَقبَلتِها وَالعِرضُ لا دَنِسٌ وَلا خَوّارُ

وَإِذا سَـرَيتُ رَأَيتُ نارَكِ نَوَّرَت وَجهاً أَغَرَّ يَزينُهُ الإِسفارُ

صــلَّى الملائكةُ الَّذين تُخيِّروا والمُصطفونَ عليك والأبرارُ

وعليكِ مـن صلواتِ ربّك كلَّما ضجَّ الحجيجُ ملبِّينَ وغاروا

يا نظرة لك يوم هاجـتْ عبرةً مِن أُمّ حَـرزة بالنُّميرةِ دارُ

تحيي الرَّوامـسُ ربعَها فتجدُّهُ بعد البــلَى وتُميتُهُ الأمطارُ

وَكَأَنَّ مَنزِلَةً لَـــها بِجُلاجِلٍ وَحيُ الزَبورِ تُجِدُّهُ الأَحبارُ

لا تُكثِرَنَّ إِذا جَعَلتَ تَــلومُني لا يَذهَبَنَّ بِحِلمِكَ الإِكثارُ

كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا مُتبدِّلين وبالدِّيار ديـــارُ

لا يلبثُ القُرنــــاءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يــــكرُّ عليهمُ ونهارُ

أَفَأُمَّ حَزرَةَ يا فــــَرَزدَقُ عِبتُم غَضِبَ المَليكُ عَلَيكُمُ القَهّارُ

كانَت إِذا هَــجَرَ الحَليلُ فِراشَها خُزِنَ الحَديثُ وَعَفَّتِ الأَسرارُ

لَيسَت كَأُمِّكَ إِذ يَعَضُّ بِقُــرطِها قَينٌ وَلَيسَ عَلى القُرونِ خِمارُ

سَنُثيرُ قَينَكُمُ وَلا يوفى بِــــها قَينٌ بِقارِعَةِ المِقَرِّ مُثارُ

وُجِدَ الكَتيفُ ذَخيرَةً في قـــَبرِهِ وَالكَلبَتانِ جُمِعنَ وَالميشارُ

يَبكي صَداهُ إِذا تَهَزَّمَ مِرجَـــلٌ أَو إِن تَثَلَّمَ بُرمَةٌ أَعشارُ

رَجَفَ المِقَرُّ وَصاحَ فــي شَرقِيِّهِ قَينٌ عَلَيهِ دَواخِنٌ وَشَرارُ

قَتَلَت أَباكَ بَنــــو فُقَيمٍ عَنوَةً إِذ جُرَّ لَيسَ عَلى أَبيكَ إِزارُ

حَدراءُ أَنكَـــرَتِ القُيونَ وَريحَهُم وَالحُرُّ يَمنَعُ ضَيمَهُ الإِنكارُ

لَــــمّا رَأَت صَدَأَ الحَديدِ بِجِلدِهِ فَاللَونُ أَورَقُ وَالبَنانُ قِصارُ

قالَ الفَرَزدَقُ رَقِّـــعي أَكيارَنا قالَت وَكَيفَ تُرَقَّعُ الأَكيارُ

رَقِّع مَتاعَكَ إِنَّ جَدّي خـــالِدٌ وَالقَينُ جَدُّكَ لَم تَلِدكَ نِزارُ

وَسَمِعتُها اِتَّصَلَت بِذُهلٍ إِنَّـــهُم ظَلَموا بِصِهرِهِمُ القُيونَ وَجاروا

دَعَتِ المُصَوِّرَ دَعوَةً مَسموعَةً وَمَعَ الدُعاءِ تَضَرُّعٌ وَحِذارُ

عاذَت بِرَبِّكَ أَن يَكـونَ قَرينُها قَيناً أَحَمَّ لِفَسوِهِ إِعصارُ

أَوصَـــت بِلائِمَةٍ لِزيقٍ وَاِبنِهِ إِنَّ الكَريمَ تَشينُهُ الأَصهارُ

إِنَّ الفَضيحَةَ لَــو بُليتِ بِقَينِهِم وَمَعَ الفَضيحَةَ غُربَةٌ وَضِرارُ

هَلّا الزُبَيرَ مَنَعــتَ يَومَ تَشَمَّسَت حَربٌ تَضَرَّمُ نارُها مِذكارُ

وَدَعا الزُبَيرُ فَما تَحَرَّكَتِ الحُبى لَو سُمتَهُم جُحَفَ الخَزيرِ لَثاروا

غَـــرّوا بِعَقدِهِمُ الزُبَيرَ كَأَنَّهُم أَثوارُ مَحرَثَةٍ لَهُنَّ خُوارُ

وَالصِمَّتَينِ أَجَــــرتُمُ فَغَدَرتُمُ وَاِبنُ الأَصَمِّ بِحَبلِ بَيبَةَ جارُ

أَخزاكَ رَهطُ اِبنِ الأَشَدِّ فَأَصبَحَت أَكبادُ قَومِكَ ما لَهُنَّ مَرارُ

باتَت تُكَلَّتُ ما عَلِمــــتَ وَلَم تَكُن عونٌ تُكَلَّفُهُ وَلا أَبكارُ

سَبّوا الحِمارَ فَسَوفَ أَهجو نِسوَةً لِلكيرِ وَسطَ بُيوتِهِنَّ أُوارُ

إِنَّ الفَرَزدَقَ لَن يُزاوِلَ لُؤمَــهُ حَتّى يَزولَ عَنِ الطَريقِ صِرارُ

فيمَ المِراءُ وَقَد سَبَقتُ مُـجاشِعاً سَبقاً تَقَطَّعُ دونَهُ الأَبصارُ

قَضَتِ الغَطارِفُ مِن قُرَيشٍ فَاِعتَرِف يا اِبنَ القُيونِ عَلَيكَ وَالأَنصارُ

هَل في مِئينَ وَفي مِئينَ سَبَقتُها مَدَّ الأَعِنَّةِ غايَةٌ وَحِضارُ

كَذَبَ الفَرَزدَقُ إِنَّ عودَ مُجاشِعٍ قَصِفٌ وَإِنَّ صَليبَهُم خَوّارُ

وَإِذا بَطِنتَ فَأَنتَ يا اِبنَ مُجاشِعٍ عِندَ الهَوانِ جُنادِفٌ نَثّارُ

سَعدٌ أَبَوا لَكَ أَن تَفي بِجِوارِهِم أَو أَن يَفي لَكَ بِالجِوارِ جِوارُ

قَد طالَ قَرعُكَ قَبلَ ذاكَ صَفاتَنا حَتّى صَمِمتَ وَفُلِّلَ المِنقارُ

يا اِبنَ القُيونِ وَطالَما جَرَّبتَني وَالنَزعُ حَيثُ أُمِرَّتِ الأَوتارُ

ما في مُعاوَدَتي الفَرَزدَقَ فَاِعلَموا لِمُجاشِعٍ ظَفَرٌ وَلا اِستِبشارُ

إِنَّ القَصائِدَ قَد جَدَعنَ مُجاشِعاً بِالسُمِّ يُلحَمُ نَسجُها وَيُنارُ

وَلَقوا عَواصِيَ قَد عَيِيتَ بِنَقضِها وَلَقَد نُقِضتَ فَما بِكَ اِستِمرارُ

قَد كانَ قَومُكَ يَحسَبونَكَ شاعِراً حَتّى غَرِقتَ وَضَمَّكَ التَيّارُ

نَزَعَ الفَرَزدَقُ ما يَسُرُّ مُجاشِعاً مِنهُ مُراهَنَةٌ وَلا مِشوارُ

قَصُرَت يَداكَ عَنِ السَماءِ فَلَم يَكُن في الأَرضِ لِلشَجَرِ الخَبيثِ قَرارُ

أَثنَت نَوارُ عَلى الفَرَزدَقِ خَزيَةً صَدَقَت وَما كَذَبَت عَلَيكَ نَوارُ

إِنَّ الفَرَزدَقَ لا يَزالُ مُقَنَّعاً وَإِلَيهِ بِالعَمَلِ الخَبيثِ يُشارُ

لا يَخفَيَنَّ عَلَيكَ أَنَّ مُجاشِعاً لَو يُنفَخونَ مِنَ الخُؤورِ لَطاروا

قَد يُؤسَرونَ فَما يُفَكَّ أَسيرُهُم وَيُقَتَّلونَ فَتَسلَمُ الأَوتارُ

وَيُفايِشونَكَ وَالعِظامُ ضَعيفَةٌ وَالمُخُّ مُمتَخَرُ الهُنانَةِ رارُ

نَظَروا إِلَيكَ وَقَد تَقَلَّبَ هامُهُم نَظَرَ الضِباعُ أَصابَهُنَّ دُوارُ

قُرِنَ الفَرَزدَقُ وَالبَعيثُ وَأُمُّهُ وَأَبو الفَرَزدَقِ قُبِّحَ الإِستارُ

أَضحى يُرَمِّزُ حاجِبَيهِ كَأَنَّهُ ذيخٌ لَهُ بِقَصيمَتَينِ وِجارُ

لَيسَت لِقَومي بِالكَتيفِ تِجارَةٌ لَكِنَّ قَومي بِالطِعانِ تِجارُ

يَحمي فَوارِسيَ الَّذينَ لِخَيلِهِم بِالثَغرِ قَد عَلِمَ العَدُوُّ مُغارُ

تَدمى شَكائِمُها وَخَيلُ مُجاشِعٍ لَم يَندَ مِن عَرَقٍ لَهُنَّ عِذارُ

إِنّا وَقَينُكُمُ يُرَقِّعُ كيرَهُ سِرنا لِنَغتَصِبَ المُلوكَ وَساروا

عَضَّت سَلاسِلُنا عَلى اِبنَي مُنذِرٍ حَتّى أَقَرَّ بِحُكمِنا الجَبّارُ

وَاِبنَي هُجَيمَةَ قَد تَرَكنا عَنوَةً لِاِبنَي هُجَيمَةَ في الرِماحِ خُوارُ

وَرَئيسُ مَملَكَةٍ وَطِئنَ جَبينَهُ يَغشى حَواجِبَهُ دَمٌ وَغُبارُ

نَحمي مُخاطَرَةً عَلى أَحسابِنا كَرُمَ الحُماةُ وَعَزَّتِ الأَخطارُ

وَإِذا النِساءُ خَرَجنَ غَيرَ تَبَرُّزٍ غِرنا وَعِندَ خُروجِهِنَّ نَغارُ

وَمُجاشِعٌ فَضَحوا فَوارِسَ مالِكٍ فَرَبا الخَزيرُ وَضُيِّعَ الأَدبارُ

أَغمامَ لَو شَهِدَ الوَقيطَ فَوارِسي ما قيدَ يُعتَلُ عَثجَلٌ وَضِرارُ

يا اِبنَ القُيونِ وَكَيفَ تَطلُبُ مَجدَنا وَعَلَيكَ مِن سِمَةِ القُيونِ نِجارُ

***

قصيدة الفرزدق :

جاءت هذه القصيدة ردا على سؤال طرح في وقت ما وفي زمن ما ومن شخصية معروفة عن شخصية معروفة ايضا ، الا ان السائل اراد انكاره مما شاهده من اكبار للناس لهذه الشخصية ، انها قصيدة مدح وتعريف بشخصية .

السائل : هو : هشام بن عبد الملك ابن الخليفة الاموي المعروف عبد الملك .

المكان : بيت الله ، اثناء مناسك الحج .

الزمان : عهد الدولة الاموية .

المسؤول عنه : هو الامام عليّ بن الحسين بن علي السجاد. (10)

المجيب : الشاعر الفرزدق .

تذكر كتب الاخبار:

((وقيل: إنه لما حج هشام في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أهل لشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود تنحى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟

فقال هشام: لا أعرفه! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان أبو فراس الفرزدق حاضراً فقال: أنا والله أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس، فقال ( القصيدة)

فلما سمع هشام ذلك غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين رضي الله عنه، اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله لا للعطاء والصلات. فقال زين العابدين: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نعود فيه. فقبلها الفرزدق.)).(11)

***

هذا الذي

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم

كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم

عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم

إذا رأته قريش قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يغضى حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

بكفه خيزران ريحه عبقٌ من كف أروع في عرنينه شمم

يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

الله شرفه قدماً وعظمه جرى بذاك له في لوحه القلم

أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا أوله نعم

من يشكر الله يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم

من جدُّه دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم

مشتقة من رسول الله نبعته طابت مفارزه والخيم والشيم

ينشق ثوب الدجى من نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها الظلم

من معشر حبهم دين وبغضهمو كفر وقربهم منجى ومعتصم

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل بدء ومختوم به الكلم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

يستدفع الشروالبلوى بحبهم ويسترقُّ به الإحسان والنعم (12)

***

جاء في كتب الاخبار :

(( قال المدائني في خبره هذا وحدثني أبو يعقوب الثقفي عن الشعبي: أن الفرزدق خرج حاجاً، فلما قضى حجه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلم.

فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت: كذبت! أشعر منك الذي قال:

بنفسي من تجنبه عـــزيزٌ علي ومن زيارته لمــام

ومن أمسي وأصبح لا أراه ويطرقني إذا هجع النيام

فقال: والله لو أذنت لي لأسمعتك أحسن منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد.

فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت! صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:

لولا الحياء لعــادني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يزار

كانت إذا هجر الضجيع فراشها كتم الحديث وعفت الأســرار

لا يلبث القرنــاء أن يتفرقوا ليلٌ يـــــكر عليهم ونهار

فقال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث وحولها مولداتٌ لها كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن فأعجب بها وبهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا. قالت:

كذبت! صاحبك أشعر منك حيث يقول:

إن العيون التي فــي طرفها مرضٌ قتلننا ثم لــم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا )) . (13)

ويذكر صاحب الصناعتين :

(( والمقدّم في صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته، المتمكّن من جميع أنواعه، وبهذا فضّلوا جريراً على الفرزدق. وقالوا: كان له في الشعر ضروب لا يعرفها الفرزدق.

وماتت امرأته النّوار فناح عليها بشعر جرير:

لولا الحياءُ لها جنِى استعبارُ ولزرتُ قبركِ والحبيبُ يزارُ

وكان البحتريّ يفضّل الفرزدق على جرير، ويزعم أنه يتصرّف من المعاني فيما لا يتصرّف فيه جرير، ويورد منه في شعره في كلّ قصيدة خلاف ما يورده في الأخرى. قال: وجريريكرّر في هجاء الفرزدق ذكر الزبير، وجعثن، والنوار وأنه قينُ مجاشع. لا يذكر شيئاً غيرهذا.

وسئل بعضهم عن أبي نواس ومسلم، فذكر أن أبا نواس أشعر، لتصرفه في أشياء من وجوه الشعر وكثرة مذاهبه فيه، قال: ومسلم جار على وتيرة واحدة لا يتغيّر عنها.

وأبلغُ من هذه المنزلة أن يكون في قوة صائغ الكلام أن يأتي مرّة بالجزل، وأخرى بالسهل، فيلين إذا شاء، ويشتدّ إذا أراد. ومن هذا الوجه فضّلوا جريراً على الفرزدق، وأبا نواس على مسلم. )).(14)

(( وقيل لبشار: من أشعر الثلاثة؟ فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه، وكان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق. ولقد ماتت النوار فكانوا ينوحون عليها بشعر جرير، الذي رثى به أم حرزة، وهو:

لولا الحياء لعــــادني استعبار ولزرت قبرك، والحبيب يزارُ

ولقد أراكِ كسيت أجمل منظرٍ ومع الجمال سكينةٌ ووقــارُ

لا يلبثُ القرناء إن يتفرقـوا ليلٌ يكرُّ عليهمُ ونــــهارُ)). (15)

***

اين الثقل الابداعي ؟

لو تفحصنا قصيدة جريرالتي يرثي بها زوجته التي كان يحبها ، وحسب ذائقتي النقدية ، اوذائقتي الاعجابية ، ان الثقل الابداعي في هذه القصيدة هو بيت واحد ، اما ما تبقى منها فهو ما دار حوله ، أي ان هذا البيت هو قطب الرحى .

يقول :

فلقد أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقارُ

في هذا البيت يظهر ان جوا سكونيا يلفها ، فهناك الموت واجوائه السكونية ، وهناك الجمال والوقار اللذين تلفهما السكينة، فالسكون هو عالم مسيطر على الجو العام الذي يلف القصيدة ، وهو عالم الموت الذي لف الزوجة بأجوائه .

فالشاعر / الزوج المفجوع يرى تحت الكفن جمال ، ويرى كذلك الوقار الذي كان يلفه في حياتها وهو الان اثناء الموت يلفها ايضا ، انها – حسب نظرة الشاعر / الزوج المفجوع - اجمل ما راه .

اما ما تبقى من القصيدة فهو زائد عن الحاجة ، ذلك لان القصيدة حذت حذو ما قبلها من قصائد بوجود مقدمة استهلالية، بالنسبة للابيات التي تقدمت على هذا البيت ، علما اننا لا نعرف العدد الاصلي لابيات القصيدة فالروايات لها تختلف بهذا الجانب ، اما الابيات التي جاءت بعد هذا البيت فهي تنوع للحزن الذي لف الشاعر .

واذا كانت المقدمة الطللية قد استهلت بها القصيدة الجاهلية ، فأن هذه القصيدة وغيرها عند اكثر من شاعر قد استخدمت ظواهر الطبيعة كالمطر والرعد اجواء استهلالية، ما زجتها بما تحمل احاسيس الشاعر / الزوج من مشاعر جياشة تجاه الموت ، وموت زوجته خاصة .

ارى ان ما ثبت في الديوان من قصيدة ذات 82 بيت ليس صحيحا ، وانما الصحيح من القصيدة هو ما ثبته صاحب ( الاشباه والنظائر) والتي جاءت بـ 13 بيتا ، اضافة لما اضافه صاحب (الحماسة البصرية ) من بيت يقول :

كانَتْ إذا هَجَر الضَّجِيعُ فِراشَها صِينَ الحَدِيثُ وعَفَّتِ الأَسْرارُ

والقصيدة التي ذكرها صاحب ( الاشياه والنظائر) هي :

لولا الحياءُ لهاجَني استعبارُ ولزُرتُ قبركِ والحبيبُ يُزارُ

فسقَى ثرَى جدثٍ ببُرقة ضاحكٍ هزِمٌ أجشُّ وديمةٌ مِدرارُ

متراكمٌ زجِلٌ يُضيءُ وميضُهُ كالبُلقِ تحت بطونها الأمهارُ

صلَّى الملائكةُ الَّذين تُخيِّروا والمُصطفونَ عليك والأبرارُ

فلقد أراكِ كُسيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجَمالِ سكينةٌ ووقارُ

فعليكِ من صلواتِ ربّك كلَّما ضجَّ الحجيجُ ملبِّينَ وغاروا

كانتْ مُكارمةَ العَشير ولم يكنْ يخشَى غوائلَ أمّ حَزْرةَ جارُ

ولَّهتِ قلبِي إذ عَلَتْني كبرةٌ وذَوو التَّمائمِ من بَنيكِ صغارُ

أرعَى النُّجومَ وقد مضتْ غَورِيَّةٌ عُصَبُ النُّجوم كأنَّهنَّ صِوارُ

يا نظرة لك يوم هاجتْ عبرةً مِن أُمّ حَزْرة بالنُّميرةِ دارُ

تُحيي الرَّوامسُ ربعَها فتجدُّهُ بعد البلَى وتُميتُهُ الأمطارُ

كانَ الخليطُ همُ الخليطُ فأصبحوا مُتبدِّلين وبالدِّيار ديارُ

لا يلبثُ القُرناءُ أنْ يتفرَّقوا ليلٌ يكرُّ عليهمُ ونهارُ

اما ما تبقى من ابيات كثار عن الفرزدق الشاعر والزبير فلا علاقة له بأجواء القصيدة ، بل ارى انه دخيل عليها .

***

قصيدة الفرزدق:

اما لو قرأنا قصيدة الفرزدق فأن قطب الرحى فيها هو :

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم

مدار هذا البيت هو لفظة (لا) التي تعني النفي ، فالشخص الممدوح (علي بن الحسين السجاد) يتصف بهذه الصفة دون سائر الناس ، فهو لا يلفظ هذه اللفظة عندما يسأل ، واذا لفظها لسبب ما فهي لا تأخذ المعنى ذاته:– النفي ، وانما تعني الايجاب ، الا ان هذه اللفظة تأخذ معناها الاصلي في موضع واحد وهو عندما يلفظ الشهادة ، عندما يقول لا اله الا الله .

ولو عدنا للقصيدة ذاتها ، فأن كل الابيات المتبقية والتي اختلف في عدد ابياتها حسب اختلاف الروايات فأنها مدح عادي .(16)

***

أيظن

قصيدة نزار قباني

أيظن أني لعبة بيديه؟

أنا لا أفكر في الرجوع إليه

اليوم عاد كأن شيئا لم يكن

وبراءة الأطفال في عينيه

ليقول لي : إني رفيقة دربه

وبأنني الحي الوحيد لديه

حمل الزهور إليّ .. كيف أرده

وصباي مرسوم على شفتيه

ما عدت أذكر .. والحرائق في دمي

كيف التجأت أنا إلى زنديه

خبأت رأسي عنده .. وكأنني

طفل أعادوه إلى أبويه

حتى فساتيني التي أهملتها

فرحت به .. رقصت على قدميه

سامحته .. وسألت عن أخباره

وبكيت ساعات على كتفيه

وبدون أن أدري تركت له يدي

لتنام كالعصفور بين يديه ..

ونسيت حقدي كله في لحظة

من قال إني قد حقدت عليه؟

كم قلت إني غير عائدة له

ورجعت .. ما أحلى الرجوع إليه ..

هي قصة بثوب شعري كغالب قصائد قباني الغزلية ، وهي من قصائد السهل الممتنع كما يقول نقادنا العرب القدماء كباقي شعر نزار. فهو يروي لحظة لقاء فتاة لحبيب سابق كان ان تركها ثم عاد اليها ، فماذا تفعل ؟ الا انها تضعف في تلك اللحظة امام هذا الحبيب الذي جعل منها لعبة .

الا ان البيت الثالث عشر هو محور هذه القصة – القصيدة .

حتى فساتيني التي أهملتها

فرحت به .. رقصت على قدميه

فهذا البيت يصور لنا حالة الجفاء التي كانت بينهما عندما تركها الحبيب، فعندما نسأل لماذا اهملت الفساتين ؟ فأننا نعرف بداهة ان السبب هو الجفاء في علاقة الحب بينهما ، الا ان هذه الفساتين التي كانت متروكة في مكان ما بأهمال قد فرحت ورقصت عند قدمي المحبوب عندما عاد مرة اخرى .

لنتساءل : لماذا رقصت هذه الفساتين ( والبيت يوحي بأن الفتاة قد غيرت اكثر من مرة فساتينها اثناء اللقاء لفرحها باللقاء ) على قدمي الحبيب ؟

ان قاريء شعر نزار قباني يصدمه شيء فيه ، وهو امتهان المرأة ، خاصة الحبيبة ، والامثلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا ، الا ان هذا البيت يختصر هذه السلبية من قبل المرأة – الحبيبة وهذا الامتهان لها من قبل الرجل – الحبيب ، حتى وصل الحال بالفساتين ان ترقص على قدميه لا في مكان اخر اكثر احتراما او اكثر شوقا .

***

الهوامش:

1- حسب تعريف قرص الشعر.

2- حسب تعريف قرص الشعر.

3- البيان والتبيين.

4- المبهج في تفسير اسماء شعراء الحماسة – ابن جني.

5- الحلل في اصلاح الخلل في كتاب الجمل.

6- الاغاني.

7- التذكرة الفخرية.

8- الفاضل في اللغة والادب – المبرد.

9- منتهى الطلب في اشعار العرب – القصيدة طويلة في المصدر.

10- هو: (( علي بن الحسين - زين العابدين ( عليه السلام ) كنيته أبو محمد ، أمه شاهزنان بنت كسرى بن يزدجر بن شهريار ، ولد يوم الخميس الخامس من شعبان 38 ه‍ قبل استشهاد جده أمير المؤمنين بستين. )). انظر: ((الإمام الحسين عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 7)).

11- (اعلام الناس بما وقع للبرامكة )وكذلك: (الجليس الصالح الكافي) وكذلك: (الحماسة المغربية)و : (المحاسن والمساوئ)و: (المستجاد من فعلات الاجواد) و(ثمرات الاوراق في المحاضرات)و( مراة الجنان وعبرة اليقظان ).

12- ( وللقصيدة روايات اخري جمعتها في بناء واحد :

هذا سليلُ حُسين وابنِ فاطمةٍ بنتِ الرَّسولِ الَّذي انجابَتْ بهِ الظُّلَمُ

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا عليُّ رسولُ الله والدهُ أمستْ بنورِ هداهُ تهتدي الأممُ

هذا الذي عمهُ الطيارُ جعفرُ والمقتولُ حمزةُ ليثٌ حبهُ قسمُ

هذا ابنُ فاطمةَ الغراءَ ويحكمُ وابنُ الوصيّ الذي في سيفهِ النقمُ

هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلهُ هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللهِ كلهمُ

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم

إذا رأته قريش قال قائلها: إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

في كفه خيزران ريحه عبقٌ من كف أروع في عرنينه شمم

يغضى حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم

ينشق نور الهدى من نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم

مشتقة من رسول الله نبعته طابت مفارزه والخيم والشيم

ينجاب نور الهدى عن نور غرته كالشمس ينجاب عن إشراقها الظُّلم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

الله شرفه قدماً وعظمه جرى بذاك له في لوحه القلم

من جدُّه دان فضل الأنبياء له وفضل أمته دانت له الأمم

وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم

كلتا يديه غياث عم نفعهما يستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم

لا يخلف الوعد ميمونٌ نقيبته رحب الفناء أريبٌ حين يعتزم

حمال أثقال أقوام إذا فدحوا حلو الشمائل تحلو عنده نعم

ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاءه نعم

عم البرية بالإحسان فانقشعت عنها الغياهب والإملاق والعدم

من معشر حبهم دين وبغضهمو كفر وقربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبهم ويسترقُّ به الإحسان والنعم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا

مقدم بعد ذكر الله ذكرهم في كل بدء ومختوم به الكلم

يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم خلق كريم وأيد بالندى هضم

أي الخلائق ليست في رقابهم لأولية هذا أوله نعم

من يعرف الله يعرف أولية ذا فالدين من بيت هذا ناله الأمم

13-الاغاني.

14- الصناعتين.

15- المذاكرة في القاب الشعراء.

16- انظر : (اعلام الناس بما وقع للبرامكة )و (الجليس الصالح الكافي) و (الحماسة المغربية).

المراجع والمصادر:

آ – الكتب المطبوعة :

1 - البيان والتبيين/ ط3 – الجاحظ – تح : عبد السلام محمد هارون – مؤسسة الخانجي – القاهرة – د0ت0

2 – التعليقات والنوادر – ابو علي هارون بن زكريا الهجري – تح : د 0 حمود عبد الامير الحمادي – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1987 0

3 – الرواية التاريخية / ط2 – جورج لوكاش – ت : د0 صالح جواد كاظم – دار الشؤون الثقافية العامة – العراق – 1986 0

4 – الشعر والشعراء في العصر العباسي – ط2– د 0 مصطفى الشكعة – دار العلم للملايين – بيروت – 1975 0

5 – الشعر العراقي في القرن السادس الهجري – مزهر عبد السوداني – دار الرشيد للنشر – بغداد – 1980 0

6 – العراق في التاريخ – مجموعة كتاب – دار الحرية للطباعة – بغداد – 1983 0

7 – مختار الصحاح – محمد بن ابي بكر الرازي – دار الكتاب العربي – بيروت – د0ت0

8 – معجم النقد العربي القديم / ج2 – د 0 احمد مطلوب – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1989 0

9- الاغاني.

10- الصناعتين.

11- المذاكرة في القاب الشعراء.

12 - اعلام الناس بما وقع للبرامكة .

13 - الجليس الصالح الكافي.

14 - الحماسة المغربية.

15- المبهج في تفسير اسماء شعراء الحماسة – ابن جني.

16- الحلل في اصلاح الخلل في كتاب الجمل.

17- التذكرة الفخرية.

18- الفاضل في اللغة والادب – المبرد.

19 - منتهى الطلب في اشعار العرب .

20 - الإمام الحسين عليه السلام - الحاج حسين الشاكري ص 7.

21 - المحاسن والمساوئ.

22 - المستجاد من فعلات الاجواد.

23 - ثمرات الاوراق في المحاضرات.

24 - مراة الجنان وعبرة اليقظان.

ب – الاقراص الليزرية :

1- الشعر ديوان العرب – الاصدار 0 ,2 لعام 2000 0 الاشراف العام : محمد احمد السويدي – ابو ظبي 0

2– مكتبة التاريخ والحضارة .