الأحد، 15 يونيو 2014

نساء ورجال البصام قراءة في مجموعة ( وشم على جبين نخلة )


نساء ورجال البصام
قراءة في مجموعة ( وشم على جبين نخلة )
داود سلمان الشويلي
يقول ارنست كاسير: (( ثمة تداخل بين الشعر والحقيقة وبين الاسطورة والواقع ، والاثنان متطابقان )). – الدولة والاسطورة -
في دراسة سابقة تحت عنوان ( شعراء على الفيس بوك ) قدمت ثلاثة نماذج من شعر حسن البصام ، وقلت عنه : (  اما الشاعر حسن البصام الذي كان سابقا احد السرديين في القصة القصيرة ،فهو قاص وشاعر ثمانيني ، يكتب القصيدة الطويلة التي تفيض بكل ما هو عذب ).
واليوم ساقدم الشاعر من خلال اخر منشوراته وهو ديوانه الاخير الذي يحمل عنوان (وشم على جبين نخلة) .
ساتناول الديوان من خلال ما يقدمه من فهم خاص للمراة وللرجل ، على الرغم من ان هذا الفهم هو فهم شعري، ينبثق من الشعور المتأجج عند البصام لحظة كتابته لقصائده.
وهنا يبرز سؤال عن مدى صدق الشاعر فيما يتناوله في شعره ، فهل يكون صادق الشعور فيما يقول ، ام ان ما يقوله يمكن عده من تخاريف الشعراء؟ ((... وأنهم يقولون ما لا يفعلون)).
في الشعر يغيب الشعور الواعي للشاعر لينهض شعوره اللاواعي ، مهما كان مصدر او منبع هذا الشعر ، ان كان من وادي عبقر، او من شيطان او شيطانة خاصة به ،او كما يقول ريفاتير ((من تحول جملة شعرية حرفية صغرى الى اسهاب مطول ومعقد وغير حرفي )) – مدخل الى السيموطيقيا 2 / 68 - ،او من اية جهة كانت ،وعندها يبدأ اللاوعي بقول الشعر،عندها تنتفي الحاجة الى مطالبة الشاعر بالصدق الواقعي ، الحقيقي، وانما يسأل الشاعر عن الصدق الفني فقط.
فماذا نجد عند شاعر (وشم على جبين نخلة) من فهم شعري للرجل والمرأة ، بعد ان كتب قصائده بحالة اللاوعي المفترضة في الدراسة؟ وهل نطالبه بالصدق الواقعي ام الصدق الفني في قول الشعر؟
يتمحور فهم الشاعر للرجل والمرأة في الاتي :
في قصيدة "الاصابع"، يضع البصام النساء (هكذا بالجملة) بدلا من شرايين اصابع الرجل ، انهن الحافظات لحيوية الرجال ،" الدم "، ولهذا يرى البصام ان الله حلل الزواج باربع نساء لكي يتاح له ان يمارس اقصى درجات الحب (...)، لان في الحب يحفظ الرجال، وبهذا تكون المراة هي الحافظة للرجل ، انها الوسيلة التي يحفظ بها الرجل حياته .
* ((لان النساء شرايين أصابع الرجال
فقد أوصى الله باربع
ليتاح العمل بأقصى حب)).
وهذا فهم خاص بالشاعر مصدره لاوعيه ، في فهم النساء على انهن شرايين اصابع الرجل ، تلك الاداة التي وضيفتها التحسس ، المرأة المحركة للرجل ، المهيمنة .
وفي قصيدة( رجل يكره المرأة )، نجد المراة التي تمثل الغواية ، انها سبب قتالنا (الرجال) ، اي سبب نهايتنا.
 صحيح انها كانت القطرة الاولى التي نزلت من السماء ،الا انها نزلت لشيء واحد وهو :غوايتنا نحن الرجال ، ولتتركنا في عراك دائم ثم تودعنا.
* ((اول قطرة من السماء امراة
يتعفر وجهنا بغبارغوايتها)).
وهي صور شعرية تتناسل في القصيدة عن المرأة في لا وعيه ، فالمرأة كانت اول قطرة تنزل من السماء لغوايتنا ، وهي المحركة والمهيمنة.
وهي نهر جارف نرمي به انفسنا لا لشيء، وانما لكي يحتوينا ،هكذا تغوينا لتقتلنا.
* ((النهر امراة)).
***
المرأة هي الباقية والرجال هم الموتى ، لا بالمعنى الحرفي للفظة الموتى وانما بالمعنى المجازي لها لان ذلك يحدث في مصنع استخدام اللغة اللاواعي :
* ((الشراشف نساء
والموتى دائما هم الرجال)).
***
وفي قصيدة(لوحة ) يقول الشاعر عن اللوحة  انها (انثى ) ، اما الاطار فهو ( الرجل ) ، وتلك اللوحة فيها الالم يشع منها ، اذن المراة هي الالم ،وعندما تترك اللوحة، تسقط لينسكب لون وجهها .
 هكذا هي لا شيء بدون الرجل الذي هي التي تغويه ، وهي المهيمنة عليه:                   
* (( اللوحة انثى
تشع منها الوان  الالم
وتغرد على اشجارها الاحلام
والاطار رجل )).
***
مرأة حسن البصام التي تشكل انموذجا لنساء العالم ، تضع على وجهها الاقنعة ، انها تغير من صفاتها ، تصبح شيء لا يمكن ان نعرفه :
* (( تستطيع ان تضع على وجهها
أقنعة ..
مساحيقا  ..)).
***
في قصيدة (الاصابـع) المراة هي الشرايين في اصابع الرجل ،الشرايين التي تحمل الدم ، سائل الحياة ، وبين ان يضمها الرجل ، وبين ان تقوم بتطويقة كالخاتم ، تبقى خشيتها من ان الرجل يصبح ( وقحا ) خارج من سيطرتها ويمشي ( على حل شعره ) ، لانها امرأة مهيمنة عليه:
* (( الأصبع رجل
ومن أجل أن لايمشي على ( حلّ شعره)
اخترعت المرأة الخاتم لتطويق رقبته
ليحد من تلفته
فالأصبع وقح بالفطرة )).
***
في قصيدة (الاخرس) يختلق البصام امرأته ، اسطورة فريدة هذه المرأة ، فهي خالقة لكل فعل عند الرجل بحيث يبقى هذا الرجل لا يرى دربه من كثرة ما تفعله هذه المرأة = الملكة = الاسطورة ، انها تلجمه (تلصقين على فمه شريطا) ليبقى مشدوها امامها، ومشدودا لها.
ان مركز مدار الرجل تلك المرأة التي خلقها البصام في قصيدة (الاخرس).
وهذه نسخة اخرى من نساء البصام الا انها نسخة غير واقعية ، اسطورية  ، انها مخلوقة خلقا .
* (( وحدها أقدامك الحافية
تلامس طرق القلب المغلقة)).
هي ملكته تفعل به كل شيء:
* ((تصبحين وحدك ملكة
اذ تحكمين عينيه على نبضك
واذنيه على اسمك
وتلصقين على فمه شريطا)).
فهو مكبل ومشدودا لها:
* (( اعتقي لساني
وخلصي رقبته من طوق الخجل
يود أن يقول الكثير
في سمائه سحب معدة للمطر
هيئي له واحة للنماء
وأفتحي قلبك كي ينهمر)).
***
اذا كانت المرأة الاولى عند البصام مغوية للرجال ، والمرأة الثانية هي كل شيء لانه خلقها خلقا ، فالثالثة هذه التي يكرهها الرجل .     
في قصيدة (رجل يكره المرأة) يجعل من الرجال عبارة عن اغفاءة ومن النساء الاحلام، الاحلام التي تتسع لكل شيء ،لكن الاحلام هذه عبارة عن كوابيس ، اذن المرأة كالكابوس للرجل ، ما دامت مستمرة بغواياتها.
بماذا نخرج من حصيلة لفهم البصام للرجل والمرأة؟
المرأة هي :اول قطرة من السماء ، وهي النهر ،والورقة التي تحتضن اسرارنا ، وهي الشراشف ، وهي التي ترمم الرجال، وهي اعداؤنا الذين يبتسمون لنا،وهي التي تندف الحصى ليكون فراش الرجل الاثير،وهي
ظالمة أو مظلومة ، وهي القاتلة بدافع الحب والغيرة ،وهي الحياة والموت، وهي فتيل السعادة التعاسة .
هذه هي المرأة بنظر البصام وهي فوق ذلك يظل عقلها في (.....)وعقل الرجل اودعه عقل المرأة كما يودع القط لحمة، فما على الرجل الا ان يقبل يدها حين تجثو تحت نصفها.
***
وتبقى المراة عند البصام والرجل كذلك هما كما في قصيدة( الفتنة بصقة شيطان)، المرأة فتنة وشيطان ، والرجل يبتسم امام شيطنتها لا يستطيع فعل شيء:
* ((الفتنة بصقة شيطان
والابتسامة الخالية من النقوش رجل
واذا ما دققنا في مشية امراة
على ساحل القلب
سنرى هرا يتزحلق على نار الخطيئة
او كرة تتقاذفها ارجل الشياطين)).






الرمزية النقدية والدرس الاخلاقي حسن البصام و ومجموعته القصصية (البحث عن اللون ) انموذجا

الرمزية النقدية والدرس الاخلاقي
حسن البصام و ومجموعته القصصية (البحث ع


ن اللون ) انموذجا
داود سلمان الشويلي
((نظرت إلى ثوب زوجتي.. صرخت في سري: يا إلهي إنه اللون الذي أبحث عنه، الآن أراه متألقاً زاهياً، وهو نفس الثوب الذي أبهرني وحلق لونه الغرائبي، في فضاء مخيلتي، ولم أستطع الإمساك به !!!.)).
هذه نهاية قصة ( البحث عن اللون ) وهي بداية للبحث عن ( شيء ) ما مفقود من ذاكرة الشخصية لحين ايجاده ، وهذه ثيمة اشتركن فيها اغلب قصص المجموعة هذه.
في الرحلة اليومية للشخصية المركزية للقصة ، نلتقي معه بالكثيرين ، الا انه يبحث عن شيء ما يفتقده، انه رسام يبحث عن لون ليلون ثوب فتاته التي رسمها ، فيجده في لون ثوب زوجته ، انه لون زاهي متألق ؟
ان الرحلة اليومية للالتقاء بالمراة ، اي امراة ، لن تفيده بشيء ، فلا التي امتنعت عن الذهاب معه الى مكان ما بسبب وفاة احد الائمة ، وهي اشارة ذكية من القاص ، حيث ينتقد سلوك بعض الناس ، ولا اي امرأة اخرى .
ان الدرس الاخلاقي الذي نستخلصه من القصة هو ان البحث عن المراة وما عندها ، هو بحث لا جدوى منه ، لان ما نبحث عنه موجود عندنا ، في زوجاتنا اللاتي معنا في السراء والضراء.
في قصة ( المعلم ) يبحث الاستاذ ( عدنان كعكه ) عن الحقيقة التي دفع ثمنها كثيرا من حياته عندما سب ( السلة) ، فكيف يعود الى الوظيفة والان الكل يحتاجون ان يسبهم جميعا ( السلة والعنب ) :
((سألته: أستاذ عدنان.. لماذا لا تعود إلى الوظيفة، مثل أقرانك الذين سبـّوا سلة العنب؟ أجاب بسؤال: مالذي إختلف، السلة ام العنب؟
أجبته: السلة والعنب. قال: إذن أعود إلى سب السلة والعنب.. لا يهدأ لي بال حتى أرى رقبتي حرة لا يطوقها شئ حتى وإن كانت قلادة من شعاع القمر.. وأن لا يثقل رأسي حمل حتى وإن كانت خيوط حرير.. أو أحمل على رأسي سلة لا يشتهي ما فيها فمي.. )).
في قصة (خارطة الذئاب) يبحث شخصية او شخوص القصة عن مخرج لما اصابهم ، فقد باتت الاحلام تعكس الواقع اليومي لما يعيشونه:
((حتى في الأحلام، تجثم على أنفاسنا، كوابيس لها أنياب.
فقد رسمتنا الذئاب خارطة لأحلامها.)).
انها رمزية كما في اغلب قصصه  ، رمزية تحمل بين طيات كلماتها ، وجملها السردية ، افاقا واسعة في نقد الواقع :
(( الحالة المحيرة التي لم أجد لها تفسيرا، هي أن هؤلاء الأشخاص الذين تكتلت مجاميعهم في جبهة واحدة، لا يطرأ تغير على سلوكهم وطبائعهم بتغير الأحداث، مغروزة جذورهم في التحدي، والعناد، والتطرف.. لقد كنت مخطئا إلى حد ما، حين إعتقدت، أن إرادتهم تخفي في أعماقها، الرغبة للوقوف مع الحقيقة أينما كانت، حتى وإن كانت كما يقال في فم الذئب.. ولا تسجد جباههم إلا للخالق، ولا يهادنون.)).
في قصة ( الرجل الملثم ) نقدا لما وصل له الواقع الذي يعيشه ، نقد مكشوف غير موارب ، نقد لاذع لقضية باتت منتشرة في ايامنا هذه ، نقد للسلوك الشخصي لبعض الموظفين حين يلبسون قناع التدين امام الناس ، وهذا مرده لبناء المساجد – كما يرى بطل القصة - قرب الدوائر الحكومية ، وهي اشارة مستبطنة لما فيها من رمزية عالية .
في قصة (إعتراف رجل خارج المستطيل) تتساءل الشخصية : ((هل يرتدي المرء قبعة الغباء بمحض إرادته؟ وهل تقيه إشتداد حرارة القيظ، في عراء هذا الزمن؟)).
في هذه القصة نقد لحالة ما ، ان الشخصية لا ترتكن الى حالها وتبقة سلبية تنتقد الاوضاع،  بل انها تثور على ذلك الحال الذي وجدت نفسها فيه : ((وقبل أن يدعوني للجلوس خلفه، مددت يدي بقوة نحو الجزء الأعلى من المستطيل، وهشمته تهشيما دامياً..)).
وهكذا يستطيع القاص البصام من رسم شخصية قصصية موجبة تجد في وضعها حالة لا يمكن الركون اليها فتثور وتحطم اغلالها.
في قصة (يوم الميلاد) تبحث الشخصية عن الاخر ، فبعد بحث مضن ، وبعد تنقل في المكان والزمان ، يجد الرجل ( الذكر ) امرأته ( انثاه ) ، وتجد المراة الرجل .
 ان مقدمة القصة ليس هو موضوع نهايتها : ((تتساقط الأوراق خفيفة كالظل ورقة بعد أخرى، ولا يبقى سوى الجذع تفر منه الطيور، تاركة ذروقها الجافة.. الورقة الأخيرة هي جواز مرور إلى عالم آخر.. يظل الجذع عاقراً لا يصلح لشئ))، ذلك لان القاص ارادنا ان نرحل معه داخل نفس شخصياته القلقة : ((قال أحد الموظفين: يا لها من مصادفة غريبة !! تصوروا إن عيد ميلاد (ضحى) كان نهاريوم أمس، وقد نسيت هي الأخرى، فهرعت من مكتبها مسرعة، ثم رجعت مثقلة بعلب الحلوى، احتفالاً بعيد ميلادها؟؟)).
في قصة ( الضيف ) نلتقي بشخصية كشخصية قصة (إعتراف رجل خارج المستطيل ) شخصية نسائية تراقب الرجل جامع القمامة ، وفي يوم ما تدخله بيتها وتعريه لتجده (...) .
((إلا أنها خطت خطوة قاطعة نحوه، واصطحبته مرة إلى بيتها.. أجلسته على حافة السرير، ومن ثم تعرى الجسد المسود، فحرك في نفسها غريزة كامنة، حاولت كتمانها لكنها لم تستطع.. صرخت كمن أصابها حادث جلل، هز كيانها، وخرجت راكضة تحاصرها الجدران، ثم ألفت نفسها تعدو وسط الشوارع .)).
انها لا تبقى امنيتها حبيسة نفسها ، فتثور على حالتها ، الا انها تصطدم بواقع غير ما كانت تتمناه ، كانت تبحث عن شيء عند رجل ( القمامة ) الا انها لا تجده ، فتخرج مهرولة الى الشارع ، وفيه ايضا ، لهول ما وجدت.
تنقل لنا قصة ( الهاتف ) بحث من نوع خاص ، رجل مجنون يبحث عن شخص يكلمه في الهاتف ، ويعثر عليه بصوت مأمورة الهاتف التي تحدثة في الهاتف ، عندها يفرح :  
((ـ ألو..
ـ انا قدوري.
ـ كيف حالك قدوري، كنت بأنتظار مجيئك، لماذا لم تأت؟ أيعقل أن تكون قد نسيتنا، لا ياقدوري أنا زعلانة عليك، الأطفال يبكون لغيابك تعال أرجوك.
ـ سأجيء حالاً، الآن أنا قادم إليك.
أغلق سماعة الهاتف، وهرع صوب الشارع راكضاً، وقد إنحنى على الأرض بعد إن قطع شوطاً في الجري، ليلتقط سيجارة نصف عامرة.. وإرتكن إلى زاوية.. وراح يشعلها نافثاً دخانها نحو فضاءات ضائعة.)).
لفد وجد ما كان يبحث عنه  في صوت غير صوته.
تذكرنا قصة ( عشبة سوداء ) باسطورة جلجامش وصديقه انكيدو وحبيبته عشتار والعاهرة شمخة، وكيف انهما يرحلان بعد ان سمعا اصوات تاتيهم من بعيد ، وقد تناص القاص معها ، وذلك باخذ الاطار العام لها واستخدامه بصياغة جديدة، وكذلك استخدام الشاعر محمد سعيد الحبوبي الذي نصب له تمثالا في اكبر ساحة في المدينة ، حيث يرافقهم في جولتهم داخل المدينة.
القصة وهي توظف الاسطورة وتطوعها للفن القصصي ، فانها تقدم نقدا لما يدور في الزمن الذي كتبت به ، اذ سمعتها من لسان القاص وهو يتلوها في احدى اماسي اتحاد الادباء في ذي قار قبل اكثر من عشرين عاما .
انها تقدم نقدا لما كان يحدث ، وكذلك للعدو الامريكي في حربة ضد العراق عام 1991 .
وهكذا يصور القاص رحلة البحث عن الحقيقة ، من خلال ما يقدمه من نقد لما يراه على انه هو الحقيقة ، وتنتهي القصة وقد سجن ( حمد ) لانه كما قال صارخا:
((ـ لا.. لا.. لا.. دعوني أسيل في مجرى صدورهن قطرة عطر.. وخذوا عمري كله، ليس بمقدوري أن أكذب وأتوب.. )).
في قصة ( عقرب الثواني) ياخذنا القاص في رحلة مع صديقة وزميله في العمل ( عبد الله ) الذي وجد علبة في مكب النفايات، وعند فتحها يستنشق رائحة مسته بالجنون.
وهذه القصة هي نقد لما خلفه العدوان الامريكي البشع للعراقي ، انه الجنون ، الجنون الذي يدفع بعبد الله الى رمي ساعة الحائط ليدمي زجاجها المتطاير عائلة جيرانه .
انه بحث عن الراحة النفسية ما بعد العدوان الامريكي ، الا انه بحث دون جدوى ، ولكن الزمن يمر كما في كل مرة ((باستثناء عقرب الثواني،هو الوحيد الذي ظل يدور، في قلب الساعة.. ساخناً ولونه أحمر.. وعلى الرغم من تهشّم زجاج الساعة، وإطارها الخارجي الضخم، إلا أنها ظلت محتفظة بحركة ماكنتها.)).
في قصة (ثقب طري) يبحث بطلها عن الخلاص ، حيث وجده في موته ((في أحد الأيام وجدنا نظارتيه اللتين يخفي خلفهما عماه تحت قدميه، بينما كان جسده مسترخياً خلف مكتبه وفي الجانب الأيسر من صدره ثقب طري، ودم ساخن.. لم نسمع أي صوت كان كل شيء قد تم بهدوء.)).
عندما تفقد شيئا دون ان تهتم به ، فان البحث عنه يصعب كثيرا ، فقصة (قصة لم تكتمل )  هي البحث عن مفقود في زحمة الواقع الكاذب .
يضع اثنان من الاخوة والدتهم التي ورثت ثروة زوجها في دار العجزة ، ودون ان يعطوا معلومات عنها يهربون ، وبعد يوم تموت في المستشفى فتسجل باسم ثان ، وعندما يعود ابناؤها للسؤال عنها ، تنكر ادارة الدار وجودها او تسلمها ، وعند البحث عن اسمها لم يجد الاخوة ما يدل على وجودها في الدار .
القصة نقد لاذع للبحث عن شيء ما بطرق غير سوية ،وتحمل القصة رمزيتها في انها تشير الى حالة عامة بدأ البعض من ابناء الشعب العراق ممارستها.
ان قصص مجموعة ( البحث عن اللون ) للقاص والشاعر حسن البصام ( من اصدارات مؤسسة المثقف العربي – استراليا – 2014 ) ، تقدم نفسها كنصوص سردية تأخذ طابع الرمزية الانتقادية ، وتقدم الدرس الاخلاقي لما يمكن ان يكون عليه شخوص نصوصها القصصية .
.




.

















فليحة حسن والقصيدة ألايروتيكية !

فليحة حسن والقصيدة ألايروتيكية !



داود سلمان الشويلي
((توطئة:قبل أن تشير أصابع المنون صوب أبي، جاء إليَّ ذات حنين ليهمس لي:
« أي بنيتي احتفظي بهذا ، فهو العلامة على أصلك ، ودونه ستبقين مقيمة مع غير بني جلدك !»
وأخذته لأرى حجراً ما هو بحجر وإشارات لم افهم كنهها وخطوطا دقيقة لا ادري الى أين تصل أو توصلني ، 
قال : «هو من جد جدي توارثه ويعود الى ملك الحبشة الذي ابنه بلال – وأكد الحبشي مؤذن الرسول – «أخذته ، وبحقيبتي صرتُ احمله وكان صغيراً ، غير إن مَنْ كان يقاسمني حياتي تحت مسمى زوج ، رماه – كما اخبرني – في بالوعة البيت ظناً منه انه مضروب عليه سحر! 
ومن ذاك اليوم وأنا أعيش غربات متراكمة 
فكتبت هذه القصيدة كشفاً لسر لوني أنا المولودة في (بانيقيا) روحاً وحزناً وشعراً !)).
هذا ما كتبته الشاعرة مقدمة لاحدى قصائدها المنشورة في موقع الحوار المتمدن.
ولنقرأ معا قصيدة ثانية لها وصفتها بـ (قصيدة أيروتيكية !)، عنوانها )أبي وأمي )
تقول فيها :
* (( تلكزني براءتي
وهي تشير لتجعد فراش أرضي 
........
بينما السرير ببلاهة شراشفه 
ينزوي مطروداً في ركن الغرفة !
وتستطيل ابتساماتهم مع طيش الأغطية 
....
....
هما وحدهما (والفراش (
اثبتا لي براءتي وبلادة السرير المرتب 
....
....
....
وحتى بعد أن ورّثاني (الأثاث) والأطفال ....والتجاعيد تحت العينين !
لما أزل تحيرني استطالة ابتساماتهم كلّما صنع الفراش له أثرا في السجاجيد 
بينما أنام بتوسط أولادي 
فوق سرير مرتب بليد ؛)).          
للايروتيكية سفر طويل في الادب والتاريخ العربي والاسلامي خاصة ، وعندما جاء الاسلام كثر الحديث عنها بصورة مباشرة او غير مباشرة بعد ذلك ، وقد ناقش القرآن الايروتيكية بصورة عامة او خاصة ، ووضع لها قوانين وتشريعات وحدود وشروط ، وتلا ذلك ايضا ما سمي في الادبيات الاسلامية باحاديث النبي ، ومنقولات الصحابة ، خاصة المنقولات التي جاءت على لسان السيدة عائشة زوج النبي من احاديث سمعتها – او قيل هكذا – من فم النبي وكلها او بعضها تنقل لنا في خبايا الفاظها ما يمكن ان نطلق عليه مصطلح الايروتيكية ، والتي يمكن ان ندعوها بالايروتيكية الاسلامية.
عن عائشة ((حتي تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك .)).
بعدها كتب في الايروتيكية الاسلامية رجال دين كبار مثل الرازي ، والجاحظ ،   والسيوطي ، والنفزاوي ، وغيرهما الكثير .
كل هذه الكتب ( راجع دراستنا الطويلة : الجنس في التراث العربي - ودراسات اخرى) قدمت الايروتيكية الاسلامية بمواصفاتها وشروطها الاسلامية ، وبالقواعد التي وضعها الاسلام دينا وفكرا والتي صاغت قواعد الاحترام لمبادئ سلوك عام  للانثى والذكر.
ومن الصفات التي يتصف بها هذا الارث الايروتيكي ، وهو ارث ضخم جدا ، انه ابعد كل ما له علاقة بما يسمى ( ادب المواخير ) او ( الاباحية ) الا ما ندر – الذي يمكن ان نعده من ادب المجالس الليلة -، اي انه ابعد الجسد من ان يكون هو الحصيلة النهائية لمتحصل وحيد ، اذ ناقش هذا الارث الكبير الايروتيكية من خلال وضعها في موضع انساني ،لا حيواني ، مما جعل لها شروطا انسانية ، وكذلك فانه سمى الاشياء بمسمياتها ، ولم يختف وراء تسمية مضلله ،او رمزية.
الشاعرة والكاتبة فليحة حسن لها دراسات كثيرة عن الايروتيكية ، ولها قصائد اسمتها ( قصائد ايروتيكية) مثل هذه القصيدة التي نحن بصدد قراءتها قراءة تنطلق مما حفلت به الايروتيكية الانسانية والاسلامية من معان سامية في جعل الكائن الحي يتمتع بانسانيته بصورة مثيرة وجنسية بعيدا عن عالم الغريزة الحيوانية والسلبية في امتلاك الجسد الاخر.
تثير قصيدة ( ابي وامي ) لفليحة حسن مسالة مهمة نعيشها نحن البشر كمسالة انسانية يومية وهي العلاقة بين الرجل ( الذكر ) والمرأة ( الانثى ) ونوعية هذه العلاقة والتي تسميها الشاعرة عندما تصف قصيدتها هذه بـ (قصيدة أيروتيكية ) ،وما تتركه من امور مادية في الاشياء ، ومعنوية فينا .
بداية تسمي الشاعرة قصيدتها هذه بـ ( قصيدة ايروتيكية ) ، وهذا معناه انها وصفت الموضوعة التي عالجتها فيها بانها ( ايروتيكية) ،اي (متعة)او( مثيرة للشهوة الجنسية)، اي ان ما في القصيدة سينصب نحو ( المتعة) والمتعة الجنسية خاصة ، اي ان ما تثيره من امور هو شعور واحاسيس متبادلة بين رجل ( ذكر ) وامرأة ( انثى ) ، وليس موضوعا خارج هذه الدائرة ، هذه المشاعر وتلك الاحاسيس تأتي من فعل يحدث بين اثنين ، ولا يحدث هذا الفعل في الفراغ بل انه يحدث على ( فراش ) ارضي ، بين كائنين انسانيين لاتربطهما علاقة حيوانية ، بل علاقة جنسية انسانية.
مرتان تذكر القصيدة السرير ، مرة كمطرود ، ومقصي:
* ((بينما السرير ببلاهة شراشفه 
ينزوي مطروداً في ركن الغرفة !)).
ومرة كسرير مرتب لكنه بليد:
* ((فوق سرير مرتب بليد ؛)).
السريران ليس لهم علاقة بما يجري على فراش بعيدا عنهما.
الفراش ، وفي كليهما يكون مجعدا ، او يصنع اثرا في السجادة التي تحته.
* ((وهي تشير لتجعد فراش أرضي )).
* ((لما أزل تحيرني استطالة ابتساماتهم كلّما صنع الفراش له أثرا في السجاجيد((.
الفراش هنا بعيد عن السرير ، اذ ان السرير ظل مبعدا عما يجري على الفراش الذي انتزع منه ، فظل مطرودا ومقصيا وبليدا ، والفراش هو الارض التي تحصل عليها العملية الجنسية بين الذكر والانثى، فكان ان تجعد ، وصنع له اثرا ي السجادة المفروشة اسفله.
ولو عدنا الى شكل القصيدة الكتابي ( الطباعي ) لرأيناها قد استخدمت فيها اسطر منقطة .
اذ تتكون القصيدة من اربع مقاطع شعرية غير متساوية الطول او عدد الابيات ، تفصل بين مقطع واخر اسطر فيها نقاط ، بين المقطع الاول والثاني سطر واحد ، وبين الثاني والثالث سطرين ، وبين الثالث والرابع ثلاثة اسطر.
هذا التقسيم الهندسي للقصيدة منحها بعدا ايقاعيا غير مرئي ، فاغنت بذلك القصيدة من ناحية الدلالات فيها ، وتوليد المعاني.
ان استخدام هذا الشكل في الكتابة ( = الطباعة ) منح لغتها اضافة لما قلناه طاقة تبليغية بصرية ، من ناحية ، ومن ناحية اخرى طاقة تبليغية سماعية ، لان هذه الاسطر ما هي الا توقفات في قراءة النص .
التقطيع في النص بواسطة هذا الاستخدام لاسطر النقاط يعطي النص زخما مطردا في اللغة والايقاع ،ومن ثم في رسالته التبليغية البصرية والسمعية ، لهذا نراه مرة يستخدم سطرا واحدا من النقاط ، اذ يحدث التوقف لفترة قصيرة ، ومرة اخرى لفترة اطول من الاولى ، وثالثة اطول من الاثنين .