الأحد، 15 يونيو 2014

التناص الابداعي مع القصة القرآنية الشاعرة سجال الركابي وقصيدة ( حذار )



التناص الابداعي مع القصة القرآنية
الشاعرة سجال الركابي وقصيدة ( حذار )
قراءة : داود سلمان الشويلي
القصيدة:
((يوسُف حَذارِ
أُخوَتكَ
ما عادَ البِئرُ يرضيهم
ولا الذِئبُ يعنيهُم
سَيصلبوكَ في وَضحِ النَهار
وُيولمون لحمكَ
بِكُل إفتِخار
فَحذار)).
تحت اشتراطات قصيدة نزار قباني تكتب الشاعرة سجال الركابي اغلب قصائد ديوانها ( صوب بستان النخيل ) ، دون ان تقسر ذائقتها الشعرية للوصول الى الحدود القبانية للقصيدة وتقليدها تقليدا اعمى .
الديوان يضم ( 59 ) قصيدة متفاوتة الطول ، وقد صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2012.
 انها تقدم في قصائدها  بوح عاشقة  للوطن وناسه ، وللاخر المعشوق الذي تخاطبه في احدى قصائدها قائلة:
* ((إختيار
أنتَ مُخَيّر
أما تَتكلّم
أو تَسمَعْ
الإثنين كَثير
لا تَطمَعْ)).
في اغلب قصائدها نرى القافية في كثير من الاحيان تسحبها الى نقطة تحول في افكارها ، اذ نجدها تقسر ذائقتها الشعرية لقول شيء تأتي به القافية على الرغم من انها تريد شيئا اخر، كما في قصيدة ( ألفجرُ آتٍ) :
* (( كَم مِن نجومٍ هَوَت
وزهورٍ قَبلَ أوانهِا ذَبُلَت
كَم مِن دُموعٍ إنهَمَرَتْ
وقلوبٍ إنفَطَرَت
في بلادي
حينَ أيادٍ تطاولت
وعيونٍ خانَت أو تَهاوَنَت
كُلُّ نَجمٍ هوى
أو زَرعٍ قبلَ أوانهِ ذوى
سَيورقُ أُمنيةً
ويَصدَحُ أُغنيةً
لِفجرٍآتٍ ولا رَيْبَ فيهِ
فَجرٌ وَديعٌ بلا صَخَب
ويَتلاشى الغِلُّ والغضَبْ)).
او قصيدة ( نامَ عبّود) :
* (( نَم عبّود نَم
نَم قد زالَ الألم
ومضى ما كانَ عَلقَم
عَبق الصفصافِ تنسَّم
إحلم ببغداد جَنّة
يجري من تحتها دِجلة
نَم قريرا وتبسّم
إنّكَ اليومَ مُكَرَّم
يا صديقي ولِتَعلم
فإن أنقطَعَ الوتَرْ
يبقى في الروح
يَصدَحُ النَغَم)).
في قراءتنا  هذه لقصيدة ( حذار ) سنقدم القصيدة من خلال التناص الابداعي في موضوعها العام مع اسطورة يوسف ، او كما جاءت القصة في سورة يوسف القرآنية.
القصة القرآنية تذكر ان يوسف ذهب مع اخوته ليرعوا ماشيتهم بعيدا عن مضارب اهلهم ، وان والده يعقوب توجس خيفة من اصطحاب ابنائه ليوسف ، حيث سولت لهم انفسهم ليتآمروا ضده ،فيرمونه في الجب ، ويعودوا الى والدهم ومعهم قميصه وقد لطخوه بدم كذب .
هذا هو مضمون بداية قصة يوسف القرآنية ، فتكتب الشاعرة قصيدتها اعتمادا عليها في تناص ابداعي ،لتغير في الحادثة المذكورة في القصة  القرآنية ، وفي ذلك ترتقي القصيدة الى ان تكون ذات قيمة ابداعية مثمرة ، من خلال تغير ما في القصة من فكرة الى افكار جديدة يأتي بها التناص الابداعي ويولدها.
القصيدة وهي تبدل افكار القصة القرآنية فانها تجعل من يوسف شخصا كامل الاهلية ولم يعد صبيا ، فتحذره من اخوته ، وهذا اجراء قامت به الشاعرة لصالح قصيدتها غير ما ورد في النص القرآني ، ولانهم كانوا في النص القرآني قد القوه في الجب ، وعادوا لابيهم بقميصه وقد تلطخ بدم كذب ، فان هذه الاجراء العدائي لم يهمهم في شيء وسوف يغادرونه الى ما هو ابلغ منه وهو الصلب.
* ((ما عادَ البِئرُ يرضيهم
ولا الذِئبُ يعنيهُم
سَيصلبوكَ في وَضحِ النَهار)).
والصلب هذا لم يكن خاتمة لتآمرهم ضده ، لانهم لن يفيدهم الصلب بشيء ما لم يولمون لحمه ويقدمونه كوجبة وهم يفتخرون بما قدموه ، ليتوزع لحمه في جوف من ياكله ، ويضيع قاتله واكله:
* ((وُيولمون لحمكَ
بِكُل إفتِخار)).
ان الشاعرة وهي تأخذ القصة / الاسطورة الى عالم جديد غير عالمها الذي بنيت عليه، تعرف جيدا ما تقوم به ،لانها تعرف ان زماننا الحاضر وقد كثر فيه المتآمرون على الاوطان قد غيروا في طرق تآمرهم وراحوا يبتكرون طرقا واساليب جديد ، منها الصلب واكل لحوم المصلوب بدلا من الرمي في الجب ليلتقطه السيارة فينجوا من تآمرهم .
الشاعرة بقصيدتها هذه تحذر بلدها العراق بعد ان رأت تكالب الاعداء من الداخل والخارج ، من التفتيت والتقسيم ، تحذره من اخوته العرب الذين ما اكتفوا بتركه وحيدا كما ترك اخوة يوسف اخيهم في الجب وحيدا ، وانما اولموا على لحمه الولائم للاخرين .
لقد كانت الشاعرة وبحس وطني راق ، قد اماطت اللثام من وجه الاخوة العرب ، وكشفت تعاملهم معه ،وكيف انهم قد تآمروا ضده في سبيل تقسيمه الى دوليات عرقية ومذهبية ، وقد كانت الشاعرة عند كتابة القصيدة قد اخفت موقفها السياسي الوطني لحساب القصيدة ، لتأت قصيدتها تنبض  بروح الشعر ، وتحمل في ثناياها روح غنائية عذبه تفتقر لها الكثير من قصائد النثر التي تكتب هذه الايام.
القصيدة بدأت بلفظة ( حذار ) وانتهت بها ، وما بين اولها واخرها تأتي القصيدة - على قصرها - مشبعة بغنائية محببة اسستها هذه اللفظة بتكرارها في البداية والنهاية.
***

.

البورترية ... قصيدة تشكيلية الشاعر كاظم الركابي و الشاعرة رملة الجاسم انموذجا

البورترية ... قصيدة تشكيلية
الشاعر كاظم الركابي و الشاعرة رملة الجاسم انموذجا
داود سلمان الشويلي
كتب الصديق الروائي احمد غانم عبد الجليل مرة على جدار صفحته:
(تتحير الكلمات في اختيار ألوانها عندما تبدأ رسم ملامح وجهك الــ...
ألم أقل لكِ تتحير الكلمات؟...).
بين لفظة ( الكلمات ) و لفظة ( الوانها ) ولفظة ( ملامح ) يقف الشعر - وكذلك الرسم - متحيرا في كيفية ربط هذه الالفاظ فيما بينها ، لتكوين قصيدة كاملة الشروط  الفنية ليطلق عليها هذا الاسم ، او انشاء لوحة تشكيلية تزخر بالخطوط المعبرة ، وبالالوان المنسجمة ، وبالموضوع الانشائي الدال عن نفسه ، والتوزيع المدروس للضوء.
والرسم فن مستقل بذاته ، له عالمه الخاص ، ان كان ذلك لمنتجه او  لمتلقيه ، وهو بابسط احواله تعبير فني و تشكيلي على سطح ما ، بواسطة الخط والضوء والظل واللون .
فاذا كان الرسم يستخدم القلم – مهما كان لونه – والسطح ، فان الشعر هو الاخر يستخدم الكلمات وسطح الورقة او الذهن.
واذا كان الرسم يقدم صورا للاشياء ذات حساسية عالية من القبول والرضا الروحي والنفسي ، فان الشعر كذلك يرسم صورا تأخذ لها الوانا طبيعية في ذهن المنتج والمتلقي .
اما لو قدم الرسم ايقاعه من خلال الهرمونيكا التي يتبعها في مزج الالوان ، وفي توزيع الظل والنور ، وكذلك الكتل ، فان الشعر هو الاخر لا يكون شعرا ما لم يكن له ايقاعه الخاص ، ان كان  هذا الشعر عموديا او تفعيلة او نثرا ، فلكل قصيدة ايقاعها الخارجي ، او الداخلي ، كاللوحة حيث يكون لها ايقاعها الخاص الذي يحس به المتلقي.
القصيدة ترسم موضوعها ، من خلال صورة واحدة ،او عدة صور ،واداتها في ذلك الكلمة ، الكلمة التي تكون اساس القصيدة ،وهي التي تكون مسؤولة عن جعل صور القصيدة ملونة ام غير ملونه ، حزينة ام مفرحة .
واللوحة كذلك تقدم نفسها بما تحمله من موضوع مرسوم ،وملون ، وموزع الكتل ، في تناسق هارموني يجعل المتلقي ينبهر بما يرى ، فتصله رسالة العمل لتترك عنده انطباعا مملوء بالدهشة والحيرة التي تصنع الاسئلة.
والبورتريه هو فن رسم الشخصية من وجهة نظر الرسام الذي يرسمه. وهو أحد أنواع الرسم التي ينظر إليها الفنانون على أنها معقدة، لاعتمادها على تقديم الشخصية عبر ملامح الوجه ، لان هدفه هو إظهار ملامح الوجوه وتعبيراتها.
امامنا قصيدتين ، احداهما كتبت باللهجة العامية ، اي من الشعر العامي العراقي ، والاخرى كتبت باللغة الفصحى ، والقصيدتان قصيرتان تتحدثان عن موديل للرسم ، بين القصيدتين تقف اكثر من ثلاثين عاما مرت من عمر القصيدة الاولى.
القصيدة الاولى هي للشاعر العامي المعروف المرحوم كاظم الركابي ، بعنوان ( الى رسامة ) كتبها في ثمانينات القرن الماضي ، حيث سمعتها من فم الشاعر.
القصيدة الثانية للرسامة والشاعرة رملة الجاسم بعنوان ( موديل ) كتبتها في هذا العام او الذي سبقه ، و الشاعران من محافظة ذي قار – مدينة الناصرية.
في قصيدة "الى رسامة" للشاعر الركابي ينقل لنا حوارا جميلا ، بين شاعر ورسامة وعدته ان ترسم بورتريه له ، و مضت الاعوام دون ان ترسم ان تنفذ وعدها:
*  (( ﮔالت
وصار من ﮔالت ﺇسنين 
وجهك المملي حنين 
أحله لوحه
ﺇنتظرتچ ترسمين 
ذاكه يوم وهاذه يوم 
لاني أحمر 
لاني أخضر 
لاني ابيض لاني أزرگ
ﺇسألتها ..
ﺇشلون
ﺇعتذرتلي
ماﻠﮔيت ﺇبلون وجهك عندي لون)).
***
فيما تكتب الفنانة التشكيلية والشاعرة " رملة الجاسم " قصيدتها ناقلة لنا صوت شخص اعد نفسه ليكون موديلا ترسمه الفنانة كما تشتهي هي ، عندها تقول له  : (أحاول جهدي ولكن).
* (( قال ارسميني
كما تشتهين قدر المستطاع
أحاول جهدي ولكن
كيف سأرسمُ وجه َ الضياع
شحّةٌ في المشاعرِ
قحط ٌ في المتاع)).
***
في قصيدة الركابي يكون السبب الذي يقف وراء عدم رسم وجه الشاعر من قبل الرسامة هو انها (ماﻠﮔيت ﺇبلون وجهك عندي لون) لان وجهه (وجهك المملي حنين ).
فيما وجه الموديل الذي يقف امام الرسامة " رملة " يعكس ملامح الضياع: (كيف سأرسمُ وجه َ الضياع).
في كلا القصيدتين توجد رسامة انثى ، وفي كلتهما يراد رسم بورتريه لرجل ذكر ، وكلتهما تقف حيرة الرسامة امام وجه الموديل ، لانه وجه لا يمكن ان يرسم ، فالالوان التي تعكس ملامح الوجه الشعورية والنفسية غير مهيأة لرسم ذاك الوجه، وتعكس الإنفعالات الذاتية له لتعبر عن الحزن والحنين والضياع ، فتظل الحيرة والدهشة ممسكة بالرسامة.
الرسامة الاولى تحتار في اختيار لون يمكن ان تعكس به ملامح الحنين التي ترتسم على وجه الموديل ، اذ لم تجد اللون الذي يمكنه من نقل ملامح الوجه وانفعالاته الشعورية والنفسية:
* ((ﺇشلون 
ﺇعتذرتلي
ماﻠﮔيت ﺇبلون وجهك عندي لون)).
فيما الرسامة الثانية  تقع في المشكلة نفسها ، حيث انها لم تجد بين الالوان او اختلاطها اللون الذي يعكس ملامح الوجه المليء الضياع لان الملامح قد تشوشت ، فاحالت المشاعر الى الضيائع ، تائهة في اللاشيء :
* ((كيف سأرسمُ وجه َ الضياع
شحّةٌ في المشاعرِ
قحط ٌ في المتاع)).
ان القصيدتين اعلاه قد تضعنا امام مسالة خطيرة هي عن كيفية ان يظل الفنان التشكيلي حائرا ملتبسا في امر الوانه عند رسم موضوعا ما ، حيث تظل الالوان شحيحة في نقل المشاعر والاحاسيس ،شحيحة في ان تنقل لنا نحن المتلقين ما كان يشعر به وجه البورتريه هذا ، لتعكس شخصيته .
فالاول تحس الرسامة انه وجه ممتليء بالحنين ، فتظل حائرة في رسمه ، وفي اي لون تختاره لرسم ملامح الحنين التي تعكس الشخصية التي يمثلها.
اما الثاني فان الرسامة تقرأ فيه ملامح الضياع ، فتحتار في اي لون تختاره ليمثل لها لون الضياع الذي يعيشه الوجه ، ومن ثم الشخصية؟
ان الشاعر كاظم الركابي ، والشاعرة رمله الجاسم عكسا في قصيدتيهما الحيرة التي عاشتها الرسامة في رسم وجوه موديليها ، لانها وجدت الالوان قاصرة عن تمثيل ما رسم على الوجوه من ملامح الحنين في الاول ، والضياع في الثاني.
هكذا يتفجر الشعر من مواضيع سهلة وبسيطة لينسج عالما شعريا كبيرا باقصر ما يمكن من الصور الشعرية ، والكلمات المترابطة فيما بينها  بسحر واندهاش.

Top of Form