الأربعاء، 10 أغسطس، 2016

لوحة وقصيدة





نشر موقع ( النور ) مقالي المعنون ( لوحة وقصيدة ):
لوحة وقصيدة
داود سلمان الشويلي
http://www.alnoor.se/article.asp?id=301059
((إن المعاني الخيالية هي محرِّكة العقل، لا متحركة. (...) فالخيالات هي ضروب من المحسوسات عند غياب المحسوسات. (...) فالعقل يجرِّد التصور ويخلقه.)) .(ابن رشد، الكتاب الكبير للنفس لأرسطو، ت: إبراهيم الغربي، دار الحكمة، 1997، ص 218-221).
نحن ركب ملجن فـــــي زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال
من نبات الجديل تمشي بنا في الـ ... بيد مشي الايام فـــــــي الآجال
ان قصائد المتنبي تحمل القاريء على التيقن بأن هذا الشاعر كان همه تدمير الواقع من خلال تدمير الانظمة المنطقية التي تحكمه ، فأي منطق يجعل من المشبه به مشبها ً ، وبالعكس ؟ واي منطق يجعل من ( الجـِمال = الابل ) مشخصة بالطيور ؟
لقد كان الشاعر في هذا البيت مدهشاً ، وهذا ما كان عليه الشعراء المجددين ، وهذا ما ارادت السريالية ان تصل اليه ، أي في قدرة الاثنين الشاعر المجدد ، والسريالية الى الوصول اليه من عملية الادهاش التي تأتي من تداخل الصور الشعرية ، وتفكيك العلاقات التي تربط عناصر النص ، وكذلك ، وهو المهم ،تفكيك البنية اللغوية 0
في هذا البيت ، يرسم المتنبي لوحة تشكياية واقعية ، وفي الآن نفسه تخييلية لموكب يضم راكبي الجـِمال وهي تسير في الصحراء 0، كما صورها الرسام العراقي فائق حسن بخيوله وراكبيها التي تثير الغبار وهي تعدو سريعا في مفازات الصحراء الواسعة راسما اياها بتعبيرية تجريدية تغيب عنها التشخيص العياني .
فالموكب – كما هو في الصحراء – حدث واقعي ، حسي ، والراكبون يرتدون الزي العربي ، ويغطون اجسادهم بالعباءة العربية ، ووجوههم مغطاة باللثام ، الا ان المتنبي لا يرى ما هو مرأي من قبل الاخرين ، وانما كما يقول رامبوعنه ، انه يقوم بـ (( رؤية ما لا يرى ، وسماع ما لا يسمع )) وفي الوقت نفسه ، يعيننا على ان نرى تلك الرؤية التخييلية لذلك الموكب 0
اذن ، فالشاعر يقوم بتحويل الواقع الى خيال ، والخيال الى واقع ، أي يحول الصورة الواقعية ، المنطقية ، الى صورة متخيلة ، غير واقعية ، يجمع بين عناصرها اللامنطق ، فيصبح ( الخداع البصري ) الذي تقوم به حواسه - و بالتفاعل مع المحيط - ، وهو الفاعل الوحيد في تلك الرؤية ، فضلا ً عن دور المخيلة ،وما يضفيه جو الصحراء في النهار ، وكذلك ما يضفيه السراب الخادع للعين من كسر للرؤية ، يدفع بالمخيلة الى ان ترى ما هو واقعي بلباس غير واقعي .
اما اذا كان مسير الركب ليلاً ، فأن اجواء ليل الصحراء يجعل المكان اكثر ( خرافية ) واسطورية ، بما يتجسد فيه – بفعل عامل التخيل – من رؤى شبحية ، لتصورات سابقة عن الجن والاشباح والطناطل 000الخ 0
ومن الطريف ، ان ناقدا ً عربيا ً كالجاحظ ، قد انتبه لهذا الامر ، وسبق رامبو بألف عام عندما فسر هذه العملية بكل عقلانية وعلمية ، وجاء بالعبارة ذاتها التي استشهد بها رامبو في ان الشاعر يقوم بـ (( رؤية ما لا يرى وسماع ما لايسمع )) 0 قال الجاحظ وهو يكذب ما اشيع حول شياطين الشعر : (( واذا استوحش الانسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير وارتاب وتفرق ذهنه وانتقصت اخلاطه فرأى ما لايرى وسمع ما لايسمع وتوهم على الشيء اليسير الحقير انه عظيم جليل )) 0 (الحيوان – 6/ 164 )
ان الصورة الواقعية للركب كما يمكنها ان تكون ، وفي مرأى الانسان ، يمكن رسمها هكذا :
نحن ركب من الانس في زي جن فوق جمال ( خيول ) لها شخوص الطير
هنا تلعب الاستعارة ، والتشبيه دوراً كبيراً في رسم هذه الصورة السريالية في بيت المتنبي الذي يشبه ناس الركب بالجن ، وفي الوقت نفسه يستعير للصورة الانسية ، الصورة ( الجنية ) ، اذ تحول العباءة المتطايرة في هواء المسير ، واللثام ، الانسي الى ( جني ) وفي الوقت نفسه يشبه المتنبي واسطة النقل ( الجـِمال ) بالطير في سرعة حركته وتقلبه في الهواء ، اذ تتراءى له ( الجـِمال ) وكأنها تطير في اجواء الصحراء لخفتها ، ولما يفعله المكان من تأثير على الرؤية 0
لكن المتنبي ، هذا الشاعر العظيم الذي يرى ما لا يرى ، المجدد الدائم ، يستعير الخيال السريالي قبل السرياليين بألف عام ، ليقدم من خلاله ما يحس به وما يراه ، لأنه لا يرتضي بما تراه عيناه من صور ( واقعية ) ، وانما يجعل من مخياله ( المعمل ) الابداعي لانتاج صور مغايرة للواقع دون ان تبتعد عنه 0
وقد كانت تجارب الفنان العرالقي فائق حسن في رسم الخيول العربية من خلال تعبيريته التجريدية ، حيث يختفي التشخيص عن شخوص ومكونات اللوحة الداخلية حتى بدت للمتلقي عبارة عن اشكال هندسية ، وهكذا كان الفنان فائق حسن قد لعب بالكتلة و باللون بحيث استطاع ان يعبر عن هواجسه وهمومه الانسانية .
لقد كان الفنان العراقي فائق حسن الوجه الثاني للعملة الذهبية العراقية فيما كان الشاعر العربي العراقي ابو الطيب المتنبي الوجه الاول منها في رسم ما يدور في مخياله الابداعي عما راه في الواقع من رجال على ظهور الجمال ( الخيل ) وهم يقطعون مفازة الصحراء فراح مخيالة الابداعي يصور له ما كان يرسمه من صور ذات طبيعة سريالية كما تخيل ذلك الفنان.
هويته الشخصية فائق حسن
1-من مواليد سنة1914-في محلة البقجة قرب النادي العسكري
2- اكتشفت اصابعه سليقته الفنية وهوبعد في سن السا بعة
3- احتضنه مدرسو ماة الرسم في كافة المراحل الدراسية فكانوا وراء اندفاعه الفني
4- اقام اول معرض شخصي له سنة 1938
5-شارك بعدة معارض مع جماعة الروا د في الأربعينات
6-شارك بعدة معارض في اورزدي باك 0
7- اقام عدة معارض مع اصدقاء الشرق الأوسط في مصر وبيروت0
8- اقام معرضاً متجولا ً في امريكا
9- اقام معرضا ً خا صاً في بولونيا
10- توفي في باريس سنة 1992

صومعتي التي اقضي فيها كل وقتي الذي يفيض من انشغالاتي الحياتية



صومعتي التي اقضي فيها كل وقتي الذي يفيض من انشغالاتي الحياتية



كتاب : الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة - تقديم ومناقشة)




نشرت جريدة ( العراقية ) الصادرة في استراليا دراستي عن كتاب ( الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة ) لمؤلفه الباحث محمد الخالدي بعنوان ( كتاب : الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة - تقديم ومناقشة) شكرا للدكتور موفق ساوا
كتاب : الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة - تقديم ومناقشة
تقديم ومناقشة : داود سلمان الشويلي
للشعر العامي في الوطن العربي دور كبير وبارز في نقل التجربة الشعورية والعيانية لابناء الامة العربية في شرقها وغربها ،اذ لم تكن في يوم ما عاطلة عن كتابة ما تحس به من رؤى واحلام ، ان كان ذلك على المستوى الذاتي ، او كان على مستوى الموضوعي العام .
فقد نقلت لنا اللهجة العامية كل ما يجيش في افكار بعض من ابناء الشعب من احاسيس ومشاعر واحلام ورؤى وقدمتها لنا بالفاظ مبنية بناء شعريا ، كما قدم الشعر العربي تلك المشاعر والاحاسيس والرؤى باللغة العربية الفصحى .
الشعر العامي هذا الذي يعرف قائله ، والذي يسمى خطأ - كما ارى - بالشعر الشعبي ، كمصطلح ، يطلق على ما نكتبه من شعر باللهجة العامية له امتداد طويل في تاريخ الامة العربية .
وقد كتب عن هذا الشعر الكثير من الدراسات والبحوث واخرها هي دراسة الشاعر والصحفي الاستاذ محمد الخالدي التي صدرت في جزئين عام 2010 عن مؤسسة البلاغ في سوريا تحت عنوان (الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة ) والتي توزعت على سبعة ابواب ، كل باب يضم فصولا عدة .
ففي الباب الاول الذي قسمه الاستاذ الخالدي الى خمسة فصول هي : الاول : اللغة العامية . والثاني : الادب الشعبي . والثالث : الشعر الشعبي العربي ومراحل التطور . والرابع : مدارس الشعر الشعبي العراقي .والخامس : اقسام الشعر الشعبي العراقي.
اما الباب الثاني فقد ضم اربعة فصول هي : الاول :رؤيتنا للشعر الشعبي . والثاني : الشعر الشعبي الحديث في العراق . والثالث :قصيدة النثر الشعبية . والرابع : رؤيتنا للقصيد الشعبية الحديثة .
والباب الثالث اشتمل على الفصول التالية ، الاول :اتجاهات الشعر الشعبي العربي . والثاني : اتجاهات القصيدة الشعبية العراقية . والثالث : الشعر الشعبي وصلته بجنوب العراق . والرابع : لماذا يتمتع الشعر الشعبي بقاعد شعبية ؟ والخامس : النقائض في الشعر الشعبي العراقي .
اما الباب الرابع فقد ضم الفصول التالية : الاول : الزهيري بين النشأة والتطور . والثاني : نماذج من الزهيري العربي . الثالث : اشكال نظمية اخرى في الزهيري . الرابع : الزهيري بين الابداع والتكلف . الخامس : الزهيري المخالف . السادس : الجناس ووحدة الموضوع .السابع : ملحق فن الزهيري .
في الباب الخامس عشرة فصول هي : الاول : من فنون الشعر الشعبي العربي . الثاني : الشعر النبطي . الثالث : الزجل . الرابع : الزجل المصري . الخامس : الدوبيت . السادس : الدوبيت الرجزي السوداني ؟. السابع : شعر الحميني اليمني . الثامن : المعنى اللبناني . التاسع : الفنون التراثية في النقب . العاشر : فن المهداد العماني .
وفي البالب السادس الذي ضم تسع فصول هي ، الاول : الابوذية العراقية ... نشأتها ... تطورها ... انواعها. الثاني : العتابة – نشأتها ... جذورها التاريخية ... انواعها . الثالث : النايل العراقي في ميزان الحقيقة . الرابع : حقائق جديدة عن الميمر . الخامس : مباحث في شعر الدارمي . السادس : المجرشة مالها وما عليها . السابع : التجليبة متى و اين ظهرت ؟ الثامن : لمحات عن النصاري . التاسع : مجزوء الهزج.
وفي الباب السابع الذي ضم الفصول التالية: الاول :الرثاء في الشعر الشعبي العربي . الثاني : حسجة الشعر ام شعر الحسجة؟
الباب الثامن احتوى على نصوص من اللشعر الشعبي العراقي.
الباب التاسع فقد ضم مختارات من اللشعر الشعبي العربي .
***
المناقشة :
1 - في الفصل الثاني ، من الباب الثاني ، و المعنون ( الشعر الشعبي الحديث في العراق ) يتحدث الباحث عن واقع الشعر الشعبي قبل خمسينات القرن الماضي وما بعدها ، اي يتحدث عن ثورة الشعر الحر في الشعر الفصيح والشعر العامي ، ليجعل الشاعر مظفر النواب الذي يسميه ( سياب القصيدة ) على رأس ( حركة شعرية شعبية جديدة ) .
ولما كان حديثنا عن الشعر العامي العراقي، فانه هو الاخر قد حاول ذلك تحت تأثير عدة عوامل من اهمها ( ثورة !!!) الشعر الفصيح ، وكتابة قصيدة التفعيلة على ايدي السياب ونازك الملائكة فكانت الشرارة الاولى قصيدة عامية عراقية جديدة تختلف شكلا عما سبقها على يد الشاعر سعدي يوسف ، اذ كتبت دراسة " مدخل لدراسة القصيدة الشعبية الحديثة" (حصل خطأ في كتابة العنوان اذ ابدلت الحديثة بالقصيرة ) ونشرتها في مجلة الثقافة التي يصدرها د. صفاء خالص ، في ع 6 / س 6 / حزيران 1976 ، و تناولت فيها التجديدات التي حصلت عند الشاعر العامي العراقي الذي يكتب بالطريقة القديمة : كالمجازيء ، والمبتكرات كنوعين جادين من انواع محاولاته للتجديد .
في هذه الدراسة استطعت ان اصحح خطأ شاع بين دارسي الشعر العامي العراقي الحديث وهو عد قصيدة " للريل وحمد " على انها اول قصيدة كتبت على الطريقة الحديثة ، حيث توصلت الى ان الشاعر " سعدي يوسف " هو اول من كتب قصيدة عامية حديثة ، وقد استندت على ثلاث ادلة : الاول ان قصيدة سعدي هي اقدم من قصيدة النواب تاريخيا ، وثانيا: التكنيك الحديث المستخدم فيها ، وثالثا: المضمون المعاصر ، وبالتأكيد فان هذه الملاحظات سوف تغير من الافكار التي كانت سائدة الى يومنا هذا بين دارسي الشعر العامي العراقي الحديث.
يقول الشاعر سعدي يوسف في قصيدته :
* مثل ما تمتلي الانهار
مثل ما تطلع الوردة
مثل ما تشتعل بعد الشرارة النار
شعبنا تحرروكسر قيودة وثار
شعب لو راد طلعة الشمس ... تطلع
لو راد الصناعة يبني المصنع
... الخ . ( مجلة المثقف – ع 15 / ك2 / 1960 )
اذ كتب النواب ثلاث مقاطع من قصيدته " للريل وحمد " عام 1956 واكملها عام 1959 ، وكتب سعدي قصيدته عام 1959 اي انهما كتبا قصيدتيهما كاملتين في عام واحد ، الا ان قصيدة " للريل وحمد " كتبت على النمط القديم ( الموال ) وهو من بحر البسيط :
مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فعلن 
* مرينه بيكم حمد واحنه بقطار الليل ..
وسمعنه دك اكهوه ، وشمينه ريحة هيل .
اما سعدي فقد كتب قصيدته مستفيدا من شكل القصيدة الحديثة الفصحى على بحر الهزج ، بتفعيلة صافية مزدوجة :
مفاعيلن / مفاعيلن
مثل ما تمتل لا نهار
مثل ما تط / لع لوردة
ان ما تريد قوله الدراسة هو ان ثورة التجديد في القصيدة العامية الحديثة والتي بدأها سعدي يوسف ، وجدت من يكتبها من الجيل المثقف وقتذاك، وقد اكدنا في دراسة سابقة لنا ( راجع مقدمة لدراسة ثورة الشعر العامي العراقي الحديث – جريدة الراصد ومجلة الثقافة) على مجموعة من الخصائص التي تميزت بها القصيدة العامية الحديثة والتي لها علاقة بالشكل والمضمون ، ومن يريد الاستزادة الاطلاع عليها .
وكذلك كتب الشاعر صادق الصايغ قصيدته ( اغنية على الاعشاب ) وهو في براغ بتاريخ 20 / 2 / 1960 ، اي بالتاريخ نفسه ، وقد نشرها في مجلة " المثقف " العدد / 18 / تموز – اب/ عام 1960 ، يقول فيها :
(( يا كمر الانهار
خيوطك عبير اذار
خيوطك على كلبي شرانق من مطر
غزلن اله اسوار
خيوطك مطر اخضر،
اغرك بدمعي يا كمر اذار ،
... الخ )).
نصل الى نتيجة هي : ان النواب شاعر مجدد ، الا انه لم يكن رائدا في هذا التجديد ، حيث من يقرأ اغلب قصائد ديوانه " للريل وحمد " يجد انها كتبت على النمط الشعري القديم ، مثل قصيدة ( للريل وحمد ) وقصيدة ( فوك التبرزل ) وقصيدة ( ايام المزبن ) وغيرها التي كتبهما الشاعر على النمط الشعري القديم ، الا انها تحمل مضمونا جديدا ، وصورا جديدة ، وافكار جديدة ، فيما تحمل قصائد سعدي وصادق اضافة لهذا كله، الشكل الجديد وهو شكل قصيدة التفعيلة التي بدأ بها السياب .
***
2 - يجمع النقاد والدارسون على ان قصيدة النثر في العراق قد بدأ بكتابتها عام 1920 الشاعر والصحفي روفائيل بطي ، او على اقل تقدير لم ينشر او يعرف ان احد الشعراء كتب في هذه القصيدة قبل بطي ونشرها عام 1925 في ديوان " الربيعيات " . ( راجع صحيفة طريق الشعب - رواد قصيدة النثر.. محاولة للتأصيل / نبيل عبد الأمير الربيعي - 19 شباط 2014 ).
اما في اللهجة العامية فلم تنشر او تقرأ ، او تعرف قصيدة النثر في هذه اللغة ( اللهجة ) قبل عام 1970 حسب علمي ، وانني من هذا المنبر الراقي ادعو الاخوة الشعراء والمهتمين ان يبحثوا لعلهم يجدوا ما يخالف قولي هذا .
في الجزء الاول من كتابه ( الشعر الشعبي العربي في دراسة معاصرة ) ،خصص الاستاذ الباحث محمد الخالدي الفصل الثالث من الباب الاول لقصيدة النثر المكتوبة باللهجة العامية ، و قال في ذلك الفصل : ( ... ومع اننا لم نجد – لحد الان – نصا نثريا شعبيا يمكن اعتماده او دراسته دراسة موضوعية وفنية ، الا ان هذا لا يمنعنا من تتبع جذور هذه الظاهرة على قلتها عسى ان نستطيع فك بعض رموزها وطلاسمها التي ما زالت غامضة ) ج1 ص 129 .
وااثناء ذكره عن التجارب والمحاولات الاولى لقصيدة النثر العامية في العراق ، قال انه " قيل " ، اي انه سمع من قال ان بعض رواد الشعر العامي قبل السبعينات من مثل : صادق العلوي ،وجميل فهد ، وكريم تعبان ، ومظفر النواب ، وغازي مجدي ، وعلي الشباني ، وطارق ياسين ، واخرون قد كتبوا في هذا اللون ، وفي الوقت نفسه فانه لم يجد نصا مكتوبا او منشورا لاؤلئك الشعراء ، وقد اخذ هذا القول من الشاعر عريان سيد خلف في اللقاء الذي اجرته معه جريدة الفرات النجفية بتاريخ 20 ايلول 2000 .
وانا اؤكد ان لا نص نثري منشور او متداول بين الناس لهؤلاء .
ثم يذكر نصا للشاعر عريان السيد خلف نشر في ديوانه " كبل ليلة" المطبوع عام 1975 ، وبعدها يذكر نصين للشاعر خيون دواي الفهد نشرا عام 2000 في جريدة الاتحاد واطلق الشاعر اسم " قصيدة دادائية " على النص الاول ، والاخر اسماه " القصيدة السريالية " .النصان قد كتبا عام 1996.
وقد كان لزاما على الباحث الاستاذ الخالدي ان يبحث اكثر في الصحف والمجلات ، لان صحيفة الراصد نشرت لي قصيدة نثر من الشعر العامي بعنوان " قراءات مترجمة في عيون انسه " بتاريخ 26 / 11 / 1972 ، التي مطلعها : ( الماي يمشي ، عيوني بيضه اتزفله ممشاه ومسيره ... كل شي بيه يمشي اعله ذراته ويشده ...الكاع طينه ، اتوزع الذراته ذره ... الخ ) .
و بتاريخ 18 / 11 / 1972 نشرت نصا في جريدة الوركاء بعنوان " سواجي الشوك ... وعيون زهرة " ، وقد قرأت النص بصوتي في برنامج الشعر الشعبي الذي يعده و يقدمة المرحوم الشاعر العامي شاكر السماوي يوم الاحد 1 / 4 / 1973 . من اذاعة بغداد . ومطلع هذا النص : ( بين جفني وبين جفنج ، جان لون الشمس يحمر ،ويروي كل العطش بيها ، ويمرك ابين الاهداب التثكل اشما مر عليها حسنج انت الشوكاني ... الخ ) .
وكتبت قصائد في هذا اللون هي قصيدة " تموز وحمرة الشفاه " بتاريخ 26 /2 /1973 ،والتي اقول في مطلعها : ( تيهتني، وذابت الوجنات من حر الدموع ... وتيهتني ...بدربك الصبير لو جف كل مطر ، منه المطر بالروح ينزل كطره كطره ... الخ ).
و قصيدة " مع شهرزاد في الليلة الثانية بعد الالف " التي كتبتها بتاريخ 22 / 11 / 1972 وهي قصيدة طويلة ،و مطلعها : ( جان وجهج شمعة تضوي ، وليل يعشك كل ضواهه ،وجانت عيونج السودة تحجي سالوفة حجينه ... وجنتي انت ابين عيني ، وجنت انه ابين شفتج ، ورده تسبك اثر ورده ... الخ ) والتي اذيعت من اذاعة بغداد في حينها.
وغيرذلك من القصائد العامية النثرية ، مثل قصيدة " وجه حبيبتي " التي كتبتها بتاريخ 5 / 8 / 1973 .
وقد كان الشاعر المرحوم شاكر السماوي قد ذكر اثناء تقديم قصيدتي" مع شهرزاد في الليلة الثانية بعد الالف " في برنامجه الشعري ، انها من الشعر " الشعبي " المنثور .
ان مثل هذه القصائد المنشورة وهي حين تطبع في الصحف تأخذ شكلا اخر غير ما كتبت فيه . 
حيث انها ترتب ترتيب قصائد التفعيلة ، ولمن يطلع عليها دون قراءتها يظن انها من شعر التفعيلة ، الا ان قراءتها تبين للمطلع نثريتها ، كما حدث مع بعض مقاطع قصائدي المنشورة .
ان ذكر هذه القصائد جاء من باب الامانة العلمية ، وربما فات الاستاذ الباحث الوصول لها في مصادرها الصحفية .

جلسة رائعة وجميلة





جلسة رائعة وجميلة مع اصدقاء اعزاء تضم الصديق الفنان المسرحي زكي عطا ، انا ، الصديق المساح ابو تيسير الشويلي ، الصديق المدرس عبد الخضر سلمان الامارة ، في مقهى مسلم المسماة مقهى الادباء ، وهي مقهى صغيرة الا انها حميمية الجلسات عندما نجلس على كراسي على الرصيف او في جانب الشارع

(الاشتغال الفضائي في المجموعة الشعرية " خطأ في راسي " للشاعر زين العزيز) .



نشرت ثقافية جريدة ( الحقيقة) دراستي عن ديوان الشاعر زين العزيز بعنوان (الاشتغال الفضائي في المجموعة الشعرية " خطأ في راسي " للشاعر زين العزيز) ... شكرا للشاعر عدنان الفضلي
الاشتغال الفضائي في المجموعة الشعرية " خطأ في راسي " للشاعر زين العزيز
قراءة : داود سلمان الشويلي
عرفت قصيدة النثر من بين القصائد الشعرية في تميّزها بالشكل واللغة، حيث كان شكلها مفارقا لما كتب من قصائد منذ الشعر الجاهلي ولحد الان ، وفي لغتها التي هي اكثر تطرفا من لغة القاموس ، من حيث انها تكون مادة الصورة الشعرية في القصيدة ، فهي تحاول جادة ان تحطم هذه اللغة التي كتب بها الشعر العربي منذ كتابة اول قصيدة الى الان ، وتكسر الروابط الجامعة لما بينها ، لتؤكد تميزها ، وكذلك فقد جاءت قصيدة النثر بهذه اللغة ، وهذا الشكل ، كرد فعل على خلوها من عنصري الوزن والقافية ، وليس الايقاع الداخلي او الخارجي.
حطمت قصيدة النثر ، كما حطمت قصيدة التفعيلة ، بنية البيت الشعري في القصيدة العمودية ، ويأتي هذا التحطيم في ان قصيدة النثر ترفض اي نظام هندسي ينتظمها ، ودائما هي تهرع نحو الحرية ، وهذا هو عالمها الذي تعيش فيه ، والا فهي تموت كما ماتت العشرات من قصائد النثر، ان كان ذلك اثناء كتابتها ، او كان ذلك اثناء طباعتها في وسائل الاعلام الورقية ، او الافتراضية ، اذ ان نزعتها المتجهة نحو الحرية تتطلب مثل هذا الاشتغال الفضائي الواسع والمنفلت من كل تحديد يحد بحريتها ، على الرغم من محاولات بعض الدارسين ، خاصة عند بحثهم لها لنيل شهادة الماجستير او الدكتوراه ، لتحديدها بإشتراطات ، واليات عديدة .
ان مثل هذه الحرية التي تتبعها قصيدة النثر في بناء شكلها خاصة ، اي في اشتغالها الفضائي المنفلت عن اي تحديد، سيؤثر حتما في توليد الدلالات ، والمعاني ، اي انها توظف جيدا اشتغالها الفضائي واستثماره في توليد ما ينضح منها من دلالات ومعاني ، وهذا ينتج عند القراءة الذكية لها على المنابر ، او عند مطالعتها من قبل قاريء فطن على الورق الحقيقي او الافتراضي ، اذ يعرف الاول محطات قراءة النص ،او التوقف عن القراءة لاسباب لا مجال لذكرها ، من خلال اثراء النص من قاريء متمكن ، ويعرف الثاني قراءة البياض والسواد ، او هندسة الحروف والكلمات والجمل ، او ترقيم المقاطع ، وما شاكل كل هذا ، في النص المكتوب على الورقة .
ان اشكال الكتابة التي تتخذها قصيدة النثر لا تدخل في دائرة الشعر الموزون الخليلية، وهي تتحرر من دائرة الاتباع الحرفي للشعر الحر، فضلا عن ابتعادها كليا عن التفعيلة عروضياً، بل هي تعتمد العلاقات الداخلية ، و حركتها المتموجة بين البياض والسواد ، وتشكيلات اشتغالها الفضائي.
ان هذه الحرية التي يتصف بها النص – مكتوبا او مقروء - يستدعي طاقة تبليغية عالية في لغته ، تتم من خلال استغلال امثل لاشكالها التي تكتب بها ، اي كاشكال بصرية او سماعية .
ان الاشتغال الفضائي لاي نص من نصوص قصيدة النثر يخدم النزعة البصرية عند القاريء ، والقاريء الحاذق والذكي ، التي يريدها النص في التبليغ من جانب مهم من جوانبها وهو اللغة.
عن المجموعة الشعرية التي امامنا " خطأ في راسي " للشاعر زين العزيز في طبعتها الاولى لعام 2016 ، التي تضم (29) قصيدة ، نشر دار الروسم ، سنتحدث عن الاشتغال الفضائي للنصوص فيها ، مرجئين الحديث عن لغتها وما تستثمره من امور ابداعية اخرى الى وقت اخر .
استثمرت قصائد مجموعة " خطأ في راسي " الشكل الكتابي الذي تمرست فيه قصيدة النثر طيلة عمرها الذي ربى على اكثر من ستين عاما في تجاربها الجديدة والناضجة ، لهذا تواجهنا في قصائد هذه المجموعة ثلاثة انماط كتابية للقصيدة في اشتغالات الشاعر لنصوصه في فضاء النص المكتوب ، ونمط واحد داخلي ( داخل القصيدة ) اضافة لما عهدته كتابة النص الشعري في قصيدة التفعيلة ، او القصيدة النثرية ، وهذه الانماط الخارجية للقصيدة ، هي :
- نمط القصيدة الكاملة كوحدة واحدة ، كما في القصائد : (صدفة) ص11 ، (إنّه قلبك) ص35 ، (كرهتُ الشِّعر)ص37 ، (ضحكةٌ في خِزانةٍ مهملة ) ص46، (افترقنا ) ص 61 ، (شجرةُ البيت) ص64 ، (المرآةُ تنظرُ بعينيكَ) ص66 ، (نهايةٌ أخرى)ص72 ، (أنا بانتظاركِ قرب ألف فجيعة) ص80 ، (خذيني)ص82 ، (أيَّتُها البلاد) ص97 ، (أنثى البحر) ص102.
مثال على ذلك قصيدة ( صدفة ) التي بنيت كوحدة واحدة ، اعتمادا على تقديمها موضوعا واحدا ، انه خطاب الشاعر الى الاخر حيث يحب ، تقول القصيدة :
* تيقَّن أَنَّ لوجهِكَ 
أبواباً مغلقةً 
ولكلِّ الأبوابِ مفتاحٌ واحدٌ
خبِّئهُ جيداً . (ص11)
وكذلك قصيدة (انه قلبك) التي يخاطب بها الشاعر نفسه ، او الاخر ، الذي يشبه قلبه بالكنغر القافز ، انها وحدة واحدة تأخذ موضوعا واحدا :
* تأكَّد أنّه قلبك 
الكنغر
الذي يقفِزُ على العُشبِ 
والألغام.
إنّه قلبك . (ص35)
- نمط القصائد التي فيها فراغات ( بياض ) بين مقاطعها ، كما في القصائد : (كانَ.. قلبي) ص13 ، (أنا ابنُ الحربِ الثالثة) ص 21 ، (هو ذنبي) ص25 ، (خطأ في رأسي) ص 39 ، (الشّطرة) ص42 ، (صفعة) ص49 ، (دموعُ الأرضِ مقبرة) ص51 ، (محاولةٌ في تَشَظٍّ ) ص57 ، (هراء) ص69 ، (لي حُفنةُ ضوءٍ في النَّهارِ البعيد) ص76 ، (ما قالته تارا..) ص99.
مثل قصيدة ( كان .. قلبي ) التي تتوزع على خمسة مقاطع شعرية ، ينتهي كل مقطع بلازمة شعرية هي ( كان ... قلبي ) ثم يترك الشاعر فراغ بمسافة سطر واحد ( بياض ) .
ان قيام الشاعر باستخدام هكذا شكل في بناء قصيدته هو كمن يغني اغنية لحبيبته ، حيث ينتهي الكوبليه الغنائي بلازمة كلامية ثم تعقبه لازمة موسيقيه ، وفي القصيدة يكون هذا اللحن هو الفراغ بين المقاطع :
* الطَّلسمُ
الذي تعلقينَهُ في عنقِكِ
سراَ
كانَ .. قلبي
------------------------ ( وضعت هذه النقاط لاشير الى البياض )
المعتوه
الذي يفكِّر دوماً بقصائدَك 
أكس أكس لارج
لا تصلح أنْ تكونَ
ثوباً مناسباً
لجسدِكِ
كانَ .. قلبي . (ص13)
وكذلك في قصيدة (خطأ في رأسي) التي تأتي كبوح ذاتي تقوم به شخصية القصيدة حيث تكلم نفسها .
القصيدة تتكون من خمسة مقاطع شعرية ، يفصل بين مقطع واخر فراغ بمسافة سطر ، وكل مقطع يتحدث عن موضوع معين ، وكل المواضيع تصب في مجرى واحد هو الموضوع الرئيس للقصيدة :
* السؤالُ الذي يخدِ ش رأ سي 
يُؤوّلُ الكون الى أُنثى 
هو خطأ فادحٌ 
متعلِّقٌ بتُفَّاحةٍ أُخرى 
------------------------ ( وضعت هذه النقاط لاشير الى البياض )
وحدي أصرخ 
أيتُّها الأوراقُ الخافِتة 
إملَئِي قلبي باللَّعنَة 
لأخرج كالخطايا التائبة
أيُّها المطرُ النَّازِلُ: 
و أنتَ تطرقُ النوافِذَ 
بكلتا يديك
طهِّرني .. بالجواب
أخبرني 
ربما نحن من سلالةٍ واحدةٍ
و أُمٍّ و أبٍ واحد . (ص39 - 40)
- نمط القصائد التي فيها ترقيم بين المقاطع ، كما في القصائد : (فكرة) ص 16 ، وهي تتكون من مقطعين في داخلهما وجود فراغات كما في المقطع الاول ، وقصيدة من النمط الاول (فكرة) ص19، ( رسائل يرفُضها بريدكِ) ص28 ، (فشلٌ في تدوينِ وجه الغربة) ص78 ، (أضعُ النِقاط فوق القصائد) ص83 ( تتكون من 17 فقرة اغلب الفققرات مهداة الى اصدقاء).
في هذا النمط يتناول الشاعر موضوعا شعريا في كل مقطع مرقم ، الا انه يصب في المعنى العام للقصيدة، في هذه القصيدة (رسائل يرفُضها بريدكِ) التي تمتد على ثمانية مقاطع مرقمة بارقام عربية ( هندية الاصل ) نقرأ المقطعين الاول والثاني التي يقول فيهما:
* 1
اترُكيني
مرةً أُخرى 
أُحِبُّ أن أكتُبَ عن رحيلِكِ 
فهو يشبِهُ 
رحيلَ القتلى
الّذين ذهبوا بلا و صايا .

لأني دائماً
أبحثُ عن ريشٍ 
لهذا الشحرور المُبلّل 
مثلتِ معي
دورَ الصياد . (ص28) 
وكذلك تقع قصيدة (أضعُ النِقاط فوق القصائد) في سبعة عشر مقطعا ، يقول الشاعر في المقطعين الاول والثاني :
* 1
أنا الهَواءُ الدَافئ 
في حَنجَرةِ النَّاي
لا أخرج 
إ لا بنَفخَةِ قلبٍ حزين. 
2
الطّفلُ الذي كانَ سريره
من الجرائد
لقد كَبرَ
و صار خبراً عاجلاً. (ص83)
في هذه القصيدة يهدي الشاعر بعض مقاطعها السبعة عشر الى بعض اصدقائه ، مثل المقطع (3) ، والمقطع (11) والمقطع (14 ) ، والمقطع (17) ، والدراسة ترى ان هذا الشكل حتمه درجة العلاقة بينه وبين اصدقائه ، لان اصدقائه هؤلاء هم بنفس الدرجة عنده ، فهو كمن يقول لصديقه في المقطع (14) القول نفسه لاصدقائه في المقطاع الاخرى ، وهكذا ، ولو اراد لجمعهم كلهم في قصيدة واحدة ، الا ان اهتماماتهم مختلفة بين رسام وشاعر وصديق فلسطيني مقيم في السويد واخر عراقي مقيم في الولايات المتحدة .
اما النمط الداخلي ، فهو النمط الايقوني الذي كتب به الشاعر بعض صور قصائده ، لاستثماره في توليد الدلالات والمعاني التي يزخر بها هذا النمط ، من مثل قصيدة " إنّه قلبك" ، وقصيدة " دموعُ الأرضِ مقبرة " على سبيل المثال :
* وقتها سيتحركُ شيءٌ زجاجيٌ 
في صدرك 
ثم يسقط
كقارورةٍ فارغة. ( ص11 )
وكذلك في قصيدة (إنّه قلبك ) :
* أنّها جُثَثٌ تَتَنَفّس خطايانا 
جنودٌ
أ شجارٌ 
و حيوانات. (ص36 )
* وجوهٌ طالما نسيتُها على مقاعد الدرا سة
في الكازينوهات
والسينما
والحَفَلات
وفي المحطَّات الكئيبة . (ص51 )
وعن استثمار الشكل الايقوني في الكتابة الشعرية في داخل القصائد ، يستخدم الشاعر نمطين احدهما يمثل حادثة السقوط ( كقارورة فارغة ) ، والثاني نمط الايقونة التي يمكن ان نطلق عليها تسمية الايقونة الجغرافية ، لانها توزع مفردات القصيدة بصورة افقية كما توزع مفردات الخارطة الجغرافية .
هناك في المثلين اللذين مثلت لهما من الصفحات ( 36 ، 51 ) توزعت (جنودٌ / اشجارٌ / و حيوانات) و (مقاعد الدرا سة / في الكازينوهات / والسينما / والحَفَلات / وفي المحطَّات الكئيبة) ، كما توزع تضاريس الارض على الخرائط.
وخلاصة القول ، ان اغلب قصائد المجموعة تندرج تحت نمط شكل القصائد ذات المقاطع ( قصائد ذات البياض 11 + 5 من ذوات الارقام ) والمجموع = 16 قصيدة ، حيث هناك نمطين يتبعان هذه الشكل ، ونمط واحد يتبع نمط القصيدة الكاملة (12) قصيدة .
ان اشتغال الشاعر على هذه الانماط حتمته الضرورة الشعرية الابداعية ، انه استخدام واعي ومدرك لهذه الانماط الشكلية التي تأتي بصورة غير ارادية، وقد كان الشاعر في ذلك مبدعا .

قصتي القصيرة ( وكر الدبابير )








قصة قصيرة:
نشرت " ثقافية " جريدة ( طريق الشعب) بتاريخ 11 /5 ، قصتي القصيرة ( وكر الدبابير ) ..... شكرا للروائي عبد الكريم العبيدي
وكر الدبابير
داود سلمان الشويلي
في ظهيرة يوم تموزي قائظ ، والشمس اعتلت كبد السماء وهي تبعث بنورها الابيض المشرب بلون اصفر باهت ، وباشعتها الحارة كنار جهنم كما وصفت في الكتب ، الى الارض وما عليها ، فتتركها كقطعة صفيح ساخن ، تحرك سلام ، الفتى الاسمر والنحيل الجسم ، تحت وهج هذه الظهيرة وهو ينز عرقا دبقا يسيل بين دشداشته وجلده الملموم على ما تبقى من لحم قليل في جسده الخاوي ، الدشداشة التي حال لونها في حر هذا الصيف الى لون ترابي ، فيما فتح " زيقها " الاعلى الذي قلع ما فيه من " زرارات " صغيرة تلم وتغلق تلك الفتحة العلوية للدشداشة ،و راحت " فردتي " نعاله الاسفنجي المتسخ تتدلى من على رقبته على صدره ، وقد شدهما بحبل ، فجعل منهما ككفتي ميزان .
سلام هذا ياتي كل يوم الى هذه الارض الجافة من طرف البستان الذي ينبض بالحياة من كل جوانبه سوى هذه المنطقة ، حيث استحال لون اديمها الى اللون الملحي ، فيما انزرع فيها بقايا نخلة جافة ، وراح وكر للدباابير يتدلى من على سعفة من سعفاتها الجافة كانه كتلة لحمية نافرة على خد فتاة نضر ، ليبحث عن جحر حيوان يفزعه بضربه بعصاه الخزيران.
انحنى سلام هذه المرة الى الارض الملحية وهو يبحث عن حجارة ،او صخرة صغيرة ، او اي شيء ليرمي به هذا الوكر الذي بات ساكنا ، ساكتا ، لا صوت له ، في ظهيرة بستان مزهو بخضرته لا يبعد عنه سوى مسافة قصيرة وهو ينبض بالحياة ، اصوات الطيور المغردة ،المسرورة ،المبتهجة وهي في ظل سعفات نخيله الكثيفة المتدلية منها اعذاق الرطب الاصفر الناضج.
فكر مع نفسه وردد بصوت مسموع : سالهو قليلا مع هذا الوكر ، ساخرج الدبابير منه بالقوة ، ستهرب بعيدا خارج البستان ، سيكون كل شيء هادئا وسليما .
وجد حجارة صغيرة تركها جفاف الارض تحت وهج الشمس ، انفرجت اسارير وجهه ، وما زال العرق ينز بكثرة من تحت دشداشته الكالحة اللون ، نزل على خديه فشعر بحرارته ، وذاق بشفتية طعم ملحه ... رفع الحجارة الى الاعلى فرحا ،مبتهجا في حر هذا اليوم التموزي ، قال مع نفسه : " ساهجج " الدبابير التي في هذا الوكر ، دبابير لا فائدة منها وقد غادرتها الملكة ، وخلى وكرها من العسل ، والشمع .
طوح بيده في الفضاء الحار المتوهج الذي يملأ الكون ، والحجارة الطينية ما زالت فيها ، وبيد سمراء وقد انداف عليها تراب البستان الحار بعرق شمس الظهيرة هذه ، رمى بالحجارة الى الوكر ،كانت اصابته موفقة ، فاهتز فرحا مسرورا بهذا الانجاز ، اصاب الوكر في المنطقة التي يلتحم فيها مع نصل السعفة الحاملة له ، تحرك من مكانه ، انتظره سلام ليسقط ، لم يخرج منه دبورا واحدا ، تحرك يمينا وشمالا في هذا الجو الوخيم الذي يفتقد لاي نسمة هواء ، وعلى حين غفلة سقط ، سقط على الارض كتلة واحدة ، تهشم كليا مخلفا شضايا من الطين اليابس واعواد التبن ، واغصان صغيرة يابسة .
كان سلام ينتظر ما هو اكثر من هذا ، انه ينتظر فرار الدبابير الساكنة فيه ، انتظر ، وبعد فترة انتظار شعر بها كأن دهرا قد مضى عليه وهو ينتظر، اقترب من الشضايا التي تناثرت على الارض ، خرج دبور واحد وطار الى الاعلى ،اختفى في الافق الشمسي المتوهج ، تبعه بعد لحظات دبور اخر ، واخر ، ورابع.. ثم سكن كل شيء.
اختفت الدبابير في الافق المتوهج الساكن ، راح يقلب الشضايا ، لم يجد اي دبور فيها ، حتى اصوات ازيزها الخافت اختفت ، ومازالت الشمس ترسل نورها واشعتها وتوزعهما على الارض ، و العرق يتصبب من جسمه الاسمر النحيل ، ودشداشته غدا لونها اكثر باهتا ، ونعليه مازالا يتدليان على صدره .
تحرك قليلا وهو جذلا ، فرحا بما عمل ، سمع صوت ازيز في احد صيوانات اذنه ، تحركت يديه لا اراديا لتنش صاحب هذا الصوت ، كان الازيز يحوم في كل جانب من راسه ، لاح له دبورا كبيرا ابيض فاتح اللون ، بعد فترة اختفى الازيز في جهة الغرب ، فرح سلام في سره ، والشمس ما زالت اشعتها تحرق اديم الارض فتحيله الى سبخة لا فائدة منه ، فكر مع نفسه ، قال : ساعود الى البستان ، لقد طردت الدبابير ، سار جذلا وهو يقفز قفزات غير منتظمة ، وقبل ان يصل الى اول ظل نخلة وافرة باعذاق رطبها الاصفر ، سمع دويا هائلا قادما من غرب المكان الواقف فيه، ازيزا عالي الصوت يملأ الفضاء الذي على جنبيه ،ولاحت له من بعيد سرب من الدبابير وهي تسرع نحوه وقد سدت الفضاء امام عينيه ، كثرت الدبابير المتجهة نحوه ، هاج بعضها وماج ، تكاثر صوت الازيز ، امتلأ الفضاء الحار المتوهج باشعة الشمس بالدبابير التي لا لون لها ، كانت اسراب الدبابير الكثيرة تتوافد باتجاهه.
اسراب من الدبابير تتوافد الى البقعة التي يقف عليها ، وهي الحدود الفاصلة بين خضرة البستان النابض بالحياة والارض الملحية الجرداء التي لم تقف فيها سوى تلك النخلة الخاوية ، المتخشبة ، ووكر الدبابير الذي تخلص منه للتو.
انهالت عليه اسراب الدبابير في هجومات متوالية ، سرب ينقض عليه ويوخزه ويطير بعيدا عنه ، ليأتي سرب اخر يهجم عليه بقوة ، فيما الازيز يتصاعد اكثر حدة.
جلس على الارض محاولا حماية نفسه من وخز الدبابير بيدية التي امتلأت بمساحات حمراء من آثار الوخز ، لم يند منه اي صوت ، او نأمة حتى ، كتم صوته ، كان همه الرئيس حماية جسده من هذا الوخز المؤلم الذي يشعر به كأنه النار التي اججت في جسده الاسمر النحيل ، حاول ، و حاول ، خارت قواه امام هذا الوخز المؤلم الذي تكاثر الاف المرات ، فيما الدبابير تتوافد عليه باسراب امتلأت صفحة السماء بها ، فتغير لونها الابيض المصفر الباهت الى لون الدبابير.
سحب دشداشته المغسولة بالعرق وملح الارض وترابها الى اعلى راسه ، إذ ادخل راسه في زيقها المفتوح وسده بيديه .
ما زالت اسراب الدبابير تنقض عليه كالصاعقة ، والوخز المؤلم ما زال على اشده ، غطى راسه بدشداشته ، احكم جيدا اغلاقها.
تحركت يديه في داخل اكمام الدشداشة الطويلة التي تيبس عليها العرق والملح والتراب ، ضم قدميه الى بعضهما تحت الدشداشة ، تكور على جسمه ملفوفا بالدشداشة المعرقة ،خف الازيز ، قلت هجمات الدبابير ، الا انها لم تنته ، ما زال سلام كاتما صوته وهو يحاول تجنب اخر وخزات هذه الدبابير اللعينة ، ظل هكذا وقتا طويلا ، لا يعرف كم مر عليه من الوقت منذ انقطع هجوم الدبابير النشطة ، لم يبق الا الدبابير المسنة والكبيرة وهي توخزه بتكاسل احس به انه اقل الما مما سبق . فتح قليلا الفتحة العلوية لدشداشته امام عينيه ، لمح بعض الدبابير تهجم عليه بتكاسل وهي قادمة من شرق المكان الذي يقف عليه ، فيما انسحبت الدبابير المسنة والكبيرة من المكان ، ظلت الدبابير القادمة من الشرق وهي منتظمة في اسراب قليلة تهجم عليه ، لم تفلح بعمل مؤثر حيال دشداشته التي تصلب عليها العرق والملح والتراب ، الا انها ما زالت تحاول بوخزات حادة ان تقضي على سلام ، فيما كان الدبور الكبير للدبور الابيض اللون الذي مازال يحوم حول الكومة الملتفة بدشداشتها الكالحة اللون وهي تراقب عمل الدبابير القادمة من الشرق ، من داخل البستان .

القصيدة الملمعة ... الشعراء رشيد مجيد و فائق الخالدي انموذجا



نشرت جريدة ( العراقية ) الصادرة في استراليا اليوم 4 / 5 دراستي عن قصيدة الملمع بعنوان (القصيدة الملمعة ... الشعراء رشيد مجيد و فائق الخالدي انموذجا ) شكرا للدكتور موفق ساوا.
القصيدة الملمعة ... الشعراء رشيد مجيد و فائق الخالدي انموذجا
قراءة : داود سلمان الشويلي
في احدى حلقات برنامج تلفزيوني تحدث الشاعر البصري فائق الخالدي ، المقيم في الامارات العربية ، ومن خلال هذا الحديث تعرفنا على شاعر رقيق ، مقتدر من ادواته الشعرية ، من حيث الافكار و الصور ، واللغة ، والبناء الشعري..
ومن ضمن ما قدمه هذا الشاعر (القصيدة الملمعة )، التي هي مزيج من الشعر المكتوب باللغة العربية الفصحى ، والشعر المكتوب باللهجة العامية العراقية.
وهذا النوع من الشعر لم يكن حديث النشأة ، وانما انتشر في العراق – على حد علمي المتواضع - في النصف الاول من القرن الماضي ، الا انه لم يكن بالصورة التي كتب فيها الشاعر الخالدي قصائده الملمعة ، وانما كان – وقتذاك وما يزال – يكتب بطريقة الشطرين ، شطر باللغة العربية الفصحى والشطر الثاني يكتب باللهجة العامية .اما الخالدي فهو يكتب هذا النوع من الشعر بتقسيم القصيدة الى قسمين ، قسم يكتب باللغة العربية الفصحى ، والقسم الثاني باللهجة العامية.
هذ النوع من الشعر اول من كتب فيه الشاعر العراقي القدير المرحوم رشيد مجيد ، ابن مدينة الناصرية ، مركز محافظة ذي قار ، المدينة المبدعة التي رفدت الحركة الفكرية والثقافية والفنية والسياسية في العراق برجال كثيرين .
الشاعر رشيد مجيد - ودون ان نبخس الشاعر الخالدي حقه الابداعي – هو صاحب اول قصيدة كتبت بهذا النوع من الشعر حسب علمي، وقد قدمت دراسة عن تجربته هذه في كتابي المعنون (رشيد مجيد ... انسانا وشاعرا – ودراسات اخرى) المنشور على مواقع الشبكة العنكبوتية ،وقد اخبرني الزميل الشاعر مسلم الطعان انه اول من كتب في هذا اللون في الثمانينات ، ولما كنت غير مطلع على تجارب الشاعر الطعان ، ولتأخر زمن ظهور قصائد الشاعر الخالدي ساحتفظ برأي الذي مفاده ان الشاعر رشيد مجيد هو اول من كتب في هذا اللون الشعري ، وفي هذه السطور سأعيد نشر قصيدة الشاعر رشيد مجيد و الدراسة التي كتبتها عنها خدمة لحركة هذا النوع من الشعر ، ولاعطاء الناس حقهم في الريادة.
***
* وحشتيني ، وحشتيني،
عمر واتعدت ايامه وجيتيني،
اجيتيني على غفلة .. وندهتيني
مثل تايه لكه دربه ... لكيتيني
بعد ما ضاعت سنيني
لكيتيني ... على تراب العمر لَمّن
جِزَ وكتي ، و لمّن ذِبلَت رياحيني
اجيتيني وانا احلم .. يناسيني
اجيتي و الصبا موَذّح(1)
و لا واحد يواسيني
راني شاعر ملوّع
تعالي ...لو ذكرتيني
زماني العَرَّفج بيَّ وعرفتيني
بعد ما عتكت (2) ايامي ... لكيتيني
مثل طير اهتده إلوِكره
اهتديتي لي .. بعد غربه وبعد هجره
اهتديتي لي .. وانا مسودن (3) كضت (4) عمري سواديني( 5)
اهتديتي للهوه ، وإذعنتِ لامره
وهذاك آنه لَمَن جيتي
ويا محله حنين الحلوه للعشره
" تمايزتي " (6 ) بقاياي واشفقتِ
على ما فاتني منها لتغريني
فأسلمتِ لسلطاني
وفي عينيك الحاحٌ.. ترى ماذا
وراء الناس في هيكلها الطيني؟
وهذا المنزوي خلف حناياه؟
اذا حنّ... فلا طهري يزكيه
ولا رجس الشياطين
وقد جئتِ كمن يبحث عن شيء
توارى في دجى الماضي
وفي اشلاء سبعيني
وها قد مرت الايام .. لا انتِ
ولا صوتك يأتيني
فأين الالق الساجي؟
وتلك الاعين الوسنى؟
............
.............. الخ (7)
***
طلب مرة مني – الشاعر رشيد مجيد - ان اكتب مقدمة لقصيدته (اسم الله) ذات النمط الشعري الجديد (لغة وافكارا وبناء).
كانت القصيدة تنتقل فيها اللغة - اذا جاز لنا ان نسمي اللهجة المحكية ايضا لغة - (والافكار) بين مقطع شعري واخر بسلاسة فنية، ودار نقاش طويل بيني وبين الشاعر ، كنت من مشجعيه في ابداع مثل هذه النصوص ، وكان هو مهووسا بها ، واكبر همّ كان يشغله ان لا يرى مشروعه هذا النور قبل وفاته ... وعدته ان اكتب تلك المقدمة ... ومما كتبت في شهر ت1 من عام 1992:
يستدعي - النوع الجديد - الذي بدأ يكتبه الشاعر رشيد مجيد اكثر من وقفة ، ويطرح اكثر من سؤال .
فالشاعر رشيد مجيد ، له تجربة طويلة تمتد على مساحة خمسين عاما من الشعر ، وله دواوين ستة مطبوعة ، وضعف العدد مخطوطا .
اذكر انه سألني قبل اكثر من اربعة اشهر عن كيفية كتابة (الشعر العامي) ... وقد دار حديث بيننا بهذا الخصوص ، وقتها سألته ان كان يزمع كتابة (القصيدة العامية) فأجابني قائلا : انتظر .
وانتظرت اياما ، حتى فاجأني بقصيدة تجمع بين اللغة الفصحى ، وبين اللهجة العامية التي هي الاخرى تتصف بقربها من الفصحى والتي اثير حولها قبل اكثر من عقدين من السنين نقاشا طويلا ، وسميت وقتها بـ (اللغة الثالثة) ، او لغة الصحافة ، او لغة المثقفين ، والتي تتصف ببعدها عن حوشي الكلام واعجمية اللفظة والمفردة ، وتركيبها - النحوي والصرفي- قريبا من التركيب اللغوي الفصيح .
انه نوع جديد، يختلف عن النوع الذي سمي بـ (الشعر الملمع) ، اذ ان هذا النوع يستدعي عمود الشعر الذي يبدأ صدر بيته فصيحا ، فيما يكون عجزه باللهجة العامية ، ومثل هذا الشعر له غاية محددة ، هي (الهزل).
ان قصيدة رشيد مجيد – الجديدة - والتي يحاول نشر بعض نماذجها على اساس انه اول من كتبها - كما يقول - ستبقى مجالا لابداء الرأي حولها ... ونحن في هذه السطور اذ نقف عند هذا الحد ، فأننا نطالب الزملاء الشعراء والنقاد والمهتمين بالادب الى دراسة هذه القصيدة الجديدة ، وابداء الرأي والملاحظة حولها)) .
سألته مرة عن مشروعه هذا ، فأجاب قائلا : (( لا ادري هل يحق لي ان اسميه مشروعا ؟او انها محاولة قد يكتب لها البقاء ، او انها تموت ساعة ميلادها ؟ ومع هذا ، فهي لا تخلو من انها محاولة كبقية المحاولات التي استطاعت ان تقف على قدميها رغم كل المعوقات وهذا ما اتمناه ، واذا لم يتحقق ذلك ، فهي على الاقل لا تخلو عن كونها محاولة ، وانها ستبقى من خصوصيات الشاعر ، ومع الايام فقد تجد لها منفذا لتطل به على القراء، علما بأن للادب الشعبي ، كما للادب العربي قراؤه ، وقد يلتقي القارئان مع هذا النموذج من الشعر )) .
وظل الشاعر يكتب هذا النوع من الشعر ، حتى اصبح له منه اكثر من ديوان مخطوط .
***
وهذه قصيدة اخرى للشعر رشيد مجيد بعنوان :((اسم الله ، اسم الله))
* (اسم الله ... اسم الله )
كلمة خوف تنسل الى شفة امرأة
يتملكها الاشفاق ، فلا تتذكر ((غير الله))(8)
من غير استئذان خرجت ،
وبغير استئذان دخلت ،
قلبا اغلقتُ منافذه ،
تلك الكلمة ، ما اعذبها؟
وهي تطل على شفتيك .. ((اسم الله ، اسم الله))
***
يا محلاها من تتخطى ابخوف ورغبه
يا محلاها بياقوت الفم ،
خمره بكاس القبله العذبه ،
يا محلاها ، ويا مِسعَد ذاكَ اليشربها ،
ويطفي النار المستعره ابكلبه وملتهبه ،
يمته اشوفج يمته؟ واشوف الدنيا ابعينج؟
***
هذا الصوتُ الدافئُ والهمسة والنجوى،
والبوح المتلفتُ في شفتيك ...
***
وللتوثيق ، فقد كتب الشاعر مسلم الطعان قصيدة بعنوان" أرتمي في صمتِكَ الأبهى....!" في هذا اللون الشعري، حيث تنكسر فيها رتابة اللغة بتحويل وصف المشاعر بين الفصحى ، الى اللهجة العامية ، فيحس المتلقي بهذا التحويل والتغير من خلال تفجير ما في مخيال الشاعر من مشاعر واحاسيس ، فتاخذ مدى رحبا ، فيكون المخيال عند ذاك يعيش حالة الحرية من ضوابط اللغة الفصحى ، فيقدم صورا ورؤى وخيالات شعرية كثيرة وواسعة المدى.
* أيُّها العالقُ كالحزنِ
على هدبِ المحالْ
أرتمي في صمتِكَ الأبهى
ويدهشُني السؤالْ
أيُّ أرض ٍ رتّلتْ أنفاسَها
حيثما فجّرتَ نهراً في الرمالْ؟!
يا لحنْ نازلْ على اشفافْ الخيالْ
غرّدْ ابروحي محبّه
او كُبَرْ شجره من الجمالْ....
أرتمي في صمتِكَ الأبهى
ويدهشُني السؤالْ.... الخ.
ان تجربة الشاعر المرحوم رشيد مجيد في كتابة قصيدة تجمع اللغتين ، الفصحى والعامية ، قد وجدت صداها عند شاعر الفصحى والعامية الدكتور مسلم الطعان وذلك في كتابة قصائد تجمع هاتين اللغتين معا ، لان اللغة تحمل الافكار والرؤى والتصورات ،حيث هي وسيلة للتواصل ، ولعكس الافكار وايصالها بشكلها الصحيح ، اللغة هي اداة المعرفة " الشعرية " التي تقدمها القصيدة المكتوبة بهذا الاسلوب ، وقصيدة الطعان مليئة بهذ الافكار ، والرؤى ، والتصورات.
ان هذه القصيدة ستبقى مجالا لابداء الرأي حولها 000 ونحن في هذه السطور نطالب الزملاء الشعراء والنقاد والمهتمين بالادب الى دراسة هذه (القصيدة الجديدة) وابداء الرأي والملاحظة حولها 0
الهوامش:
1 - موذّح : مسرع .
2 - عتكت : عتقت ، اصبحت قديمة .
3- مسودن : مجنون .
4 - كضت : انتهت .
5 - سواديني : جنوني .
6 - وضعت كلمة تمايزتي بين قوسين لانها حلقة الانتقال من اللهجة العامية الى اللغة
لفصيحة .
7 - جزء من قصيدة (بعد ان غاب القمر ) نقلتها عن مسودة للقصيدة التي كتبها الشاعر بتاريخ 25 / 2 / 1994 .
8 – (غير الله) تلفظ كما تلفظها العامة ، بجر حرف الغين ،وبدون لفظ الف اسم الجلالة.